تونس: جغرافيات الغضب والخوف من المستقبل

كيف تدير السلطة "الهامش" وتتحكم به عبر آليتي القمع الأمني وتدعيم منظومات الفساد؟ هنا عن مثال تونس المتكرر في سواها من بلدان العالم.
2018-05-07

فؤاد غربالي

باحث في علم الاجتماع، من تونس


شارك
همام السيد - سوريا

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

يتمدد السكن العشوائي في تونس منذ سبعينات القرن الماضي، على الرغم من المحاولة اليائسة للدولة لوقف تمدده عبر سياسات سكنية تبدأ من الدعم الحكومي للسكن الإجتماعي وصولاً إلى"وكالة التهذيب والتجديد العمراني" التي تعمل منذ عقود على دمج الأحياء الفقيرة داخل محيطها المديني. لكن الدمج كان فاشلاً لأنه أنجز وفق منطق تقني غيّب الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ما سيّد التعامل الأمني مع تبعات التمدد العمراني العشوائي. تفاقم هذا التمدد بعد انفجار 2011، حيث وجدت كثير من الفئات المنتمية للطبقات المتوسطة أنها غير قادرة على توفير متطلبات السكن الجيد فلجأت مجبرة إلى السكن الفوضوي، لأنه الأقل تكلفة. وتراهن الفئات الأكثر فقراً على الإستيلاء على أراضٍ عمومية، وإستغلالها لبناء مساكن بطرق بدائية، وهو ما يجبر الدولة في غالب الأحيان على الاعتراف بالتجمعات السكنية العشوائية عبر ربطها بشبكة المياه والكهرباء والمجارير. وعادة ما يتم ذلك بضغط السكان أنفسهم، الذين يعتمدون على تحركات غايتها التفاوض مع السلطات المحلية من أجل الاعتراف بهم. ويخضع الاعتراف الرسمي إلى منطق خاص يتعلق أساساً بهواجس أمنية تقوم على منطق "المراقبة والعقاب". فكثير من الأحياء الشعبية المتاخمة للمدن الكبرى شكلت معقلاً للإسلاميين الذين تصاعد أوجهم في ثمانينيات القرن الماضي، وهي تشكل حالياً معقلاً للجهاديين الجدد. وتتعاظم داخل هذه الفضاءات الجغرافية - التي تشكِّل فجوات إجتماعية كبيرة - مشاعر الغضب والخوف وذلك بشكل خاص لدى الفئات الشبابية بما هي الفئات الاكثر هشاشة.

تخلق حالة الحنق والخوف والإحباط تفككاً للروابط مع المؤسسات الرسمية التي يسود التعامل معها العدائية، وهذا ينطبق بشكل خاص على المؤسسة الأمنية التي يُنظر إليها على أنها الوجه القمعي لخيارات بُنيت أساساً على "استبعاد الفقراء" في فضاءات إقصاء، وخلق "غيتوات" على هامش المدن. ولعل ما يميز تونس العاصمة مثلاً، وهي أكثر مدن البلاد كثافة، هو التشظّي العمراني والتفاوتات المجالية والإجتماعية بين الفئات والمناطق. وهي بذا تعيد إنتاج التفاوتات الموجودة على مستوى "ماكرو مجالي" بين المناطق الداخلية والساحلية، ما يجعل من الأحياء الشعبية "جغرافيات غضب" تأخذ تعبيراتها القصوى من خلال الإحتجاجات العنيفة التي تتكرر، على غرار ما حدث في شهر كانون الثاني/ يناير الفائت مع شباب لفظته المدرسة العمومية مبكراً ووجد نفسه على هامش العمل ومن ثَمّ عالم الإستهلاك المديني، حيث يتم تأكيد الذات في السياق المعولم (الذي يمس عالم المدن أساساً) عبر امتلاك القدرة على الولوج الى الإستهلاك.

المسافة

يعيش سكان الأحياء الشعبية في تونس أوضاعهم ليس كتعارض مع الفئات المدينية المترفة بل كمسافة عنها. فعلى الرغم من الاختلافات والتباينات التي تميز التركيبة الإجتماعية داخل الأحياء الفقيرة في تونس، إلا أن ما يوحد متساكنيها (وبشكل خاص الفئات الشبابية) هي المسافة إزاء الآخرين، وتحديداً من يسمونهم ''برجوازيو" المراكز المدينية والطبقات المتوسطة العليا. وتشكل "المسافة" التجربة الأولى والأكثر أهمية بما يتعلق بالعيش في حي شعبي في تونس. فبالنسبة للكثير من الشبان، يشكل التناقض الصارخ بين ظروف عيشهم البائسة داخل أحيائهم وبين ما يفترض أنها "المعايير الحقيقة للعيش في المدينة"، مصدر إحساس بالمعاناة، وهو إحساس يتزايد عندما تتاح لهم فرصة مغادرة أحيائهم الفقيرة الى الأحياء الفخمة. ولهذا فالرغبة التي تعتريهم دائماً هي أن يكونوا مثل الآخرين، وأن "يعيشوا حياتهم"في المجتمع الاستهلاكي تحديداً. لكنهم يحلمون في الآن ذاته بحياة محافِظة تتعلق بالزواج وبناء عائلة. فالقيم التقليدية تفرض نفسها بقوة داخل الأحياء الشعبية، وتتشكل كنظام أخلاقي يحدد السلوكيات الفردية والتبادلات بين المتساكنين. ويمكن إدراج ''إقتصاديات الأحياء الشعبية" ضمن ''الاقتصاديات التحتية" أو ''الاقتصاد الأسود".

ويتم إخضاع تلك الفضاءات للرقابة الأمنية المستمرة التي تبدأ من الحملات الأمنية عشية كل سبت للتثبت من القادمين من الأحياء الشعبية إلى وسط المدينة.. بينما هم يرون فيها ممارسات تمعن في إقصائهم ووصمهم ومحاولة جعل أحيائهم ''غيتوات معزولة" ومعاملتهم وكأنهم غرباء عن المدينة.. وتبين أبحاث ميدانية أن الكثير من شبان الأحياء الفقيرة المحيطة بالعاصمة لا يذهبون إلى شارع بورقيبة (الشريان الرئيسي في العاصمة) إلا لماماً. وهم ينطوون على أحيائهم التي تتشكل بمثابة المجال الحيوي لهم، خوفاً من الشرطة. لكن بالمقابل يستغل جزء آخر الفضاءات التي تتيحها المدينة للنشل، مثلما يحدث بشكل متكرر في وسائل النقل العمومي. ويعبر جل الشبان عن كرههم للبوليس لأنه برأيهم يمنعهم من الحصول على ''لقمة العيش" على الرغم من أن أغلبهم يعول على ''الإستثمار" في تجارة الحشيش والمخدرات وبيع الخمر خلسة والوساطات الصغيرة المتعلقة باستئجار الشقق والتوسط في "تجارة الجنس" وأشكال أخرى متعددة لتدبير الذات.

صار هاجس الطبقات المتوسطة المتهاوية المحافظة على الاستقرار في حده الأدنى، خاصة بعد أن راهنت على ''الثورة" في بداياتها وشاركت فيها بفاعلية. وهي لم تعد قادرةعلى خسارة المزيد من "مكاسبها القديمة"، ولم تعد مستعدة للتحالف مع "المهمشين" مثلما حدث إبان "14 جانفي 2011". لهذا تتعمق الهوة المجالية والإجتماعية في المدن التونسية الكبرى.

تمارس الدولة اليومية الصمت والتواطؤ إزاء تلك الممارسات، لكنها سرعان ما تعمل على قمعها إذا ما تجاوزت الحيز المسموح به. وتنظر "الطبقات المتوسطة" بريبة كبيرة للاحتجاجات المدينية التي تحدث بين الحين والآخر والمرتبطة بالمسألة الإجتماعية تحديداً. فهذه الطبقات المتوسطة المتهاوية، صار هاجسها المحافظة على الاستقرار في حده الأدنى، خاصة بعد أن راهنت على ''الثورة" في بداياتها، وشاركت فيها بفاعلية. وهي لم تعد مستعدة لخسارة المزيد من "مكاسبها القديمة"، ولم تعد مستعدة للتحالف مع "المهمشين" مثلما حدث إبان "14 جانفي 2011". لهذا تتعمق الهوة المجالية والإجتماعية في المدن التونسية الكبرى.

الأحياء الشعبية: رهان جديد ''لسياسة المدينة''

كان الحديث عن الأحياء الشعبية في الفترة التي سبقت الثورة باهتاً وخافتاً بحكم القبضة الأمنية القوية وسطوة الحزب الحاكم. سقط النظام فعاد ''الهامش الحضري" إلى الواجهة بصيغ متعددة تبدأ من المواجهات المتكررة مع البوليس حين يُقبَض على أحد ''أبناء الحومة" بسبب بيع المخدرات أو الخمر خلسة، بل يتم التضامن أحيانا مع ''الجهاديين" الذين قُتلوا في مواجهات إرهابية هزت تونس. فالشعور بالإقصاء والإستبعاد يخلق هوية مجالية مشتركة بالنسبة لمتساكني الأحياء الشعبية وبشكل خاص تلك التي بنيت بطرق غير نظامية، حيث يسود الشعور لدى العديد من متساكنيها أنهم ''خارج الدولة". بل يمكن الذهاب أبعد من هذا حيث تتشكل ثقافات مضادة داخل تلك الأحياء بدءاً من الحركات الجهادية، وعصابات النشل الصغيرة، ومجموعات التحكم في الاقتصاد الأسود.

تعي السلطات الحاكمة بعد الثورة هذا الأمر جيداً، ولكن لا حيلة لديها سوى القبضة الأمنية. وهذه الاخيرة لا تعني فقط "العصا الغليظة" للشرطة المتمثلة في الإيقافات في المراكز الأمنية، وقمع الإحتجاجات الإجتماعية، بل إن الأمر يتجاوز هذا إلى نطاق أوسع يرتبط باقتصاد سياسي لإدارة الهوامش الحضرية والتحكم فيها، حيث تُخلق مجالات للتفاوض بين "الدولة اليومية" ومتساكني تلك الأحياء الغارقين في الاقتصاد غير المهيكل، فتضمن لهم "السلطات المحلية" ممارسة أنشطة غير مشروعة ( بيع الخمر وفتح بيوت للعمل بالجنس، وتجارة المخدرات، والبناء دون رخص..) مقابل عمولات ورشاوي، كبيرة وصغيرة، تكون متناسبة مع حجم المدخول وموارد الفاعلين وقدرتهم التفاوضية. وهنا تحديداً يتحول الفساد إلى أحدى أدوات التحكم والسيطرة التي تجعل الجميع يعرفون قواعد اللعبة والحدود التي تُلزم كل طرف. يدار الهامش وفقاً لهذا بآليتي القمع الأمني وتدعيم منظومات الفساد.

الإسلاميون لهم النصيب الأكبر

يدرك الإسلاميون جيداً، وهم الأكثر برغماتية وتغلغلاً في النسيج الإجتماعي المديني،أن الهوامش هي ''مجالهم الحيوي"، لهذا عملوا على زرع الجمعيات الخيرية هناك، والجمعيات القرآنية، وخلقوا "علاقات زبائنية جديدة" أخذت مكان " الزبونيات" التي كان قد وضع أسسها '' الحزب الحاكم'' منذ خمسين سنة. والزبونية التي صنعها الإسلاميون تدمج العوامل الدينية والعلاقات القرابية والجيرة.. وكل ما يتيحه النسيج الإجتماعي من تضامنات. ويستفيد الإسلاميون جيداً من تخلي الدولة عن التزاماتها الإجتماعية تحت ضغط متطلبات صندوق النقد الدولي، وهي سياسة يدعمونها منذ وصولهم إلى الحكم. فتقلص الدور الاجتماعي للدولة يعني فتح مجالات أوسع للعمل الخيري والدعوي، بينما هو في عمقه عمل سياسي يراد به خلق علاقة تبعية بينهم وبين متساكني الأحياء الشعبية يمكن توظيفها إنتخابيا فيما بعد.. وهو ما ستظهر آثاره الانتخابات البلدية القادمة.

ولا يضر الإسلاميين في شيء توسع دائرة الإقتصاد الموازي في النطاقات المدينية الهامشية، بل هو ملائم لهم بالقدر الذي يضمن نوعاً من "الإندماج الإقتصادي" لقواعدهم ذات الأصول الريفية والتي تعيش هشاشة مهنية. وتدعم خطابات أئمة المساجد في الأحياء الشعبية على نحو ضمني الإقتصاد الموازي بإعتباره "تجارة إمتهنها النبي". وفي هذا النطاق تحديداً تبرز ديناميات يتقاطع خلالها الديني والإقتصادي والسياسي.

وقد إعتمدت الحركات الجهادية الوسائل نفسها داخل الأحياء الشعبية. فدعمت حضورها داخل تلك الفضاءات عبر المساعدات الخيرية لمتساكني الأحياء الشعبية والتركيز على الأنشطة الاقتصادية اللانظامية التي مكنت الكثير من السلفيين الجهاديين من خلق تضامنات فيما بينهم وخلق مساحة من الاستقلالية إزاء الدولة. والتقاطعات بين الإسلاميين والسلفية الجهادية واضحة في هذا المجال. بالمقابل تغيب الحركات اليسارية عن الأحياء الشعبية بسبب المتخيل الشعبي الذي يساوي بينها وبين الكفر والإلحاد، وهو أمر تعمل الحركات الإسلامية على ترسيخه ودعمه في إطار الصراع الإيديولوجي معها واستثماره.

ولكن الأمر لا يتوقف على الحركات السياسية الشعبوية على غرار الإسلاميين. ويبدو للمفارقة أن سياسات التمويل الدولي لمشاريع التهيئة العمرانية للأحياء الشعبية في تونس في ظل تصاعد الحركات الجهادية (التي تقلق راحة الغرب) صارهاجسها تمويل مشاريع تعتمد مقاربة تشاركية تأخذ بآراء متساكني الأحياء الشعبية.. ولكنها تتجاهل في الآن ذاته وجود سياسة عمومية للمدينة في تونس ضمن تصور شامل للمجتمع.

الوعي السياسي والولوج إلى المواطنة

تُقارِب الإيديولوجيا السياسية المهيمنة في تونس الأحياء الشعبية بمنطق أنها لامعيارية أو لانظامية وأنه ينقصها الوعي السياسي، وذلك من أجل إعطاء تفسير لضعف الانخراط السياسي لمتساكني الأحياء الشعبية وبشكل خاص الفئات الشبابية منهم. ولكن الواقع يبين عكس ذلك،. فسكان الأحياء الشعبية هم مسيسون على نحو ما، عبر ما يسميه جيمس سكوت (صاحب كتاب " الهيمنة وفنون المقاومة") السياسة من تحت، أو ما يعتبره جان فرنسوا بايار ''الانتهاك الهادئ للمعتاد" حيث الاستيلاء على الأماكن العمومية والرشاوي الصغيرة التي تقدَّم لأعوان الدولة اليومية من أجل تحقيق بعض المنافع. فبقدر ما تتجذر "ذهنية الهروب من الدولة" في الأحياء الشعبية بقدر ما يوجد علاقة تفاوضية دائمة بينها وبين السلطات المحلية، وهي تتحول أحيانا إلى علاقة عدائية عبر الإحتجاجات الحضرية المتكررة.

لا يطالب سكان الأحياء الشعبية في تونس بشيء سوى "الحق في المدينة" والولوج إلى مواطنة حضرية والرغبة الملحة في أن "يكونوا مثل الآخرين". ويظهر ذلك من خلال النضال اليومي من أجل انتزاع هذا الاعتراف، وذلك بالتوازي مع عمل دؤوب يراهن على أن يتحقق الاعتراف عبر خلق حظوظ متساوية تضمن الاندراج العادل في الحياة المدينية. وفق هذا، يبدو أن "الحق في المدينة" الذي يحاول جزء من متساكني ''الأحياء الشعبية" تحقيقه عبر الاقتصاديات اللانظامية هو بمثابة هو "صرخة إستنجاد يطلقها المقموعون في أزمنة اليأس" حسب تعبير دافيد هارفي.

المركز والهامش: تعقد الديناميات

من الصعب التفكير في الاقتصاد الموازي وفي ''اقتصاديات الهامش" من دون ربطها بخصوصيات نمط التحضر الذي عرفته تونس، الذي كان متسماً بالتسارع، ما جعله تحضّراً غير متحكَم به لاعتبارات عديدة من بينها أنه لم يترافق مع التصنيع (مثلما ما كان الحال عليه في الدول الصناعية). بل هو تحضر جاء نتيجة لإختلال التوازن بين الأرياف والمدن بفعل عملية التحديث القسري، سواء في فترة الإستعمار أو في فترة دولة الاستقلال. وهذه عملت على تكريس خيارات تنموية وإقتصادية لا تضمن التوازن والعدالة بين المناطق، حيث ركّزت جل الصناعات التحويلية، والمنشآت السياحية، والخدمات التعليمية (الجامعية خاصة) والصحية، والترفيهية في المناطق الساحلية. وهو خيار كانت تبعاته جلية على المستوى الديموغرافي. إذ عرفت تونس منذ ستينات القرن الماضي حركة نزوح كبيرة من أرياف المناطق الداخلية الفقيرة بحثاً عن العمل الذي كانت توفره نسبياً معامل النسيج وقطاع الأحذية والصناعات التحويلية والقطاع السياحي. وهو ما ضمن لنازحي العقدين التاليين الحد الأدنى من الإندماج الاقتصادي والإجتماعي في الفضاءات المدينية الكبرى على نحو عزز الحراك الإجتماعي، ودعم قيم الطبقات المتوسطة المدينية.

يتم التضامن أحياناً من أبناء الحومة مع ''الجهاديين" الذين قُتلوا في مواجهات إرهابية هزت تونس. فالشعور بالإقصاء والإستبعاد يخلق هوية مجالية مشتركة بالنسبة لمتساكني الأحياء الشعبية وبشكل خاص تلك التي بنيت بطرق غير نظامية حيث يسود الشعور لدى العديد من ابنائها أنهم ''خارج الدولة".

ولكن إنخراط الاقتصاد الوطني في إقتصاد السوق المعولم على نحو غير متكافئ، فرض منافسة شرسة على الصناعات المحلية المُشغِّلة تلك، ما أجبر الدولة على القيام بعمليات خصخصة (لمصانع الإسمنت مثلاً) وعلى التخلي التدريجي عن دورها التعديلي. وبفعل ''تهاوي التصنيع"، ضعفت القدرة الإدماجية للمدن الكبرى. وقد عاش ابناء الجيل الثاني من النازحين نتائج المبدأ النيوليبرالي القائل بأن يتحمل كل فرد وزر نفسه، خاصة في ظل تفكك شبكات الأمان الإجتماعي التعاقدية (مثل منظومات التشغيل والصحة)، وتلك التقليدية (فصيرورة اللامأسسة نسفت على نحو جلي العائلة والتضامنات القرابية). في الوقت ذاته، تآكل حجم الطبقات المتوسطة (الموظفون الحكوميون أساساً)، وإنحدرت أوضاعها لتجد نفسها مجاورة فعلياً ورمزياً للفئات الشعبية الفقيرة.

وقد حوّلت هذه الصيرورة الفضاءات المدينية الكبرى في تونس إلى فضاءات تسير بنسقين متعارضين، حيث تمددت في العاصمة مثلا الأحياء المترفة في الوقت ذاته الذي تزايد فيه السكن العشوائي، الذي يعمل متساكنوه على ضمان نسق اندماجهم الخاص عبر الأنشطة غير الرسمية التي تبدو مربحة على نحو ما. وقد مارست الدولة نوعاً من الصمت والتواطؤ الإستراتجي مع هذا الواقع، ولكنه صمت من طبيعة "هشة"، إذ سرعان ما يتحول إلى قمع تعمل الحكومة من خلاله على التذكير أن هناك حدوداً لمدى تمدد الإقتصاد اللانظامي، يحدده "الفاعلون المتنفذون" في قطاع الإقتصاد المهيكل. يضغط هؤلاء على الحكومة حين تصبح مصالحهم مهددة، عبر "إتحاد الصناعة والتجارة" ممثل نقابة الأعراف أو أرباب العمل والتجار (مثلاً تضمن إتفاق قرطاج الذي تشكلت بموجبه الحكومة الحالية التي يرأسها يوسف الشاهد بنداً يتعلق بمحاربة التهريب والتجارة الموازية).

ولكن بالمقابل فكثيراً ما تبين تحقيقات صحافية إستقصائية أن التجارة الموازية لا يمارسها ''الفقراء والمعدمون". فالمسالك الرئيسية للتهريب لا تتم فحسب عبر الممرات الحدودية الصعبة بين تونس والجزائر وليبيا، بل وأيضاً عبر الموانيء البحرية التي تخضع لرقابة الجمارك، وأهمها "ميناء رادس"، أكبر الموانئ التجارية وهو يقع جنوب العاصمة ويشكل البوابة الرئيسية للحركة التجارية المتعلقة بالتصدير والتوريد. تُهرَّب الكثير من السلع عبر هذا الميناء بتواطؤ من بعض أعوان الجمارك، وهو أمر كان متواتراً في فترة نظام بن علي، حيث كان الارتباط وثيقاً بين التهريب والفساد. ولكن هذا الإرتباط لم يُفَك بعد الثورة، ما جعل رئيس الحكومة يصرح في زيارة لميناء رادس أمام أعوان الديوانة أن ''عائلة بن علي قد ذهبت ومنظومة الفساد في الميناء قد بقيت"، إذ تزايد عدد المتنفذين الذين يستفيدون من الفساد من أجل تهريب سلع غير المطابقة للمواصفات، وهي سلع تروج وتباع غالبيتها في الأسواق الشعبية، وتلاقي طلباً من الفئات الفقيرة والمتوسطة.

وطبقة الأثرياء الجدد في تونس بعد الثورة لا تنحدر من ''أوساط شعبية"، بل تتكون أساساً من مجموعات و"لوبي" مصالح متنفذة كانت مستفيدة من المنظومة السابقة واستطاعت بعد الثورة وسقوط عائلة بن علي أن توسع من دائرة تحركها. فتلك العائلة كانت تحتكر كل الأنشطة غير المشروعة لصالحها!

نموذج القصرين: التهريب واقتصاد الحدود

القصرين هي عاصمة ''المظالم الكبرى'' و"الثورات المغدورة'' منذ علي بن غذاهم الذي قاد عام 1864 انتفاضة ضد إجحاف حكم البايات في طلب الجباية، وصولاً إلى "ثورة 14 جانفي" 2011 (كانون الثاني/ يناير) التي أسقطت نظام بن علي.

انتفاضة علي بن غذاهم كانت في ذلك الوقت ''ثورة قبائل السيبة"(*) ضد سلطة المخزن أي ضد سلطة البايات الذين اوغلوا في زيادة الجباية من أجل تغطية المصاريف الباهظة الناتجة عن سوء إدارتهم للبلاد. تواصلت انتفاضات القصرين في مراحل مختلفة من تاريخ تونس المعاصر: "ثورة الخبز" سنة 1984 (وهي الأعنف) سبقت 2011 التي اندلعت أحداثها على إثر حرق البوعزيزي لنفسه أمام مقر محافظة "سيدي بوزيد".

دفعت "القصرين" العدد الأكبر من شهداء "ثورة 14 جانفي". المطالبات تعلقت أثناءها بالتنمية والخروج من "هلال الفقر" المشكّل جغرافياً من أربع محافظات رئيسية ( القصرين وسيدي بوزيد، والقيروان وقفصة)، وهو مطلب لا يزال قائماً حتى الآن في مناطق الداخل الذي تذكره كل مرة الإحتجاجات الإجتماعية المتكررة منذ الثورة حتى الآن. ولأن للقصرين النصيب الأكبر من الإحتجاجات، فقد صار لها ذاكرتها الاحتجاجية الخاصة. وهي لم تزل في أدنى مراتب مؤشرات التنمية البشرية على المستوى الوطني. تشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة ربط المنازل والمدارس بشبكة الإنترنت هي 3 في المئة مقابل 15 في المئة بتونس الكبرى، وأن عدد الأطباء هو 0.4 طبيب لكل ألف ساكن وتعد نسبة الأمية عالية جدا إذ تصل إلى 32 في المئة مقابل 12 في المئة في تونس العاصمة مع نسبة انقطاع مدرسي في حدود 4 في المئة مقابل 0.1 في المئة في محافظة بن عروس. وتعد نسبة ربط الماء الصالح بشبكة توزيع هي الأدنى على المستوى الوطني بنسبة 50 في المئة مقابل 90 في المئة في تونس العاصمة.

تقع القصرين في الوسط الغربي للبلاد التونسية، في منطقة السباسب العليا وفيها أعلى قمة جبلية في البلاد، وهي "جبل الشعانبي" الذي أصبح في السنوات الأخيرة منطقة عسكرية مغلقة لأنه تحول مركزاً لـ"الجهاديين" بعد أن كان إبان الاستعمار معقلاً "للفلاّقة" (المقاومون الذين قاتلوا المستعمر الفرنسي).

الصورة هنا تبدو قاتمة ما جعل الكثيرين يعتبرونها ''جهة منكوبة'' فقدم ملف بإسمها إلى "هيئة الحقيقة والكرامة" من أجل التعويض. تقع ولاية القصرين (يقطنها 412.278 نسمة حسب إحصائيات سنة 2004) في الوسط الغربي للبلاد التونسية في مناطق السباسب العليا (تعرف بطقسها البارد شتاءً و الحار صيفاً) وفيها أعلى قمة جبلية في البلاد وهي "جبل الشعانبي" الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى منطقة عسكرية مغلقة لأنه صار مركزاً لـ"الجهاديين" بعد أن كان إبان الاستعمار معقلاً "للفلاقة" (المقاومون الذين قاتلوا المستعمر الفرنسي). تبدو القصرين على هذا النحو بمثابة عنوان "تونس المتروكة لحسابها". لهذا فهي تدير ظهرها للدولة المخزنية (السلطة المركزية)، متجهة نحو أهم مواردها وهي الحدود. يستفيد سكان القصرين من موقع المحافظة الواقع على الحدود الغربية للبلاد مع الجزائر، فيشتغلون بما يسمى بـ"تجارة الحد"، أو ما يعرف في المصطلحات الرسمية والإعلامية بالتهريب، وهو يعتمد أساساً على تهريب السلع في الإتجاهين. يستغل المهربون خصوصيات الجغرافيا التي تميز الحدود بين تونس والجزائر من جهة محافظة القصرين فهي "حدود هشة" حيث تتسم بالانبساط كالسهوب وهو ما يجعل استخدامها سهلاً من قبل سكان القصرين والمهربين على حد سواء.

استعمال الحدود من أجل الاستمرار في العيش

لا يبدو ''الحد'' في القصرين مجرد "منطقة عبور" وفصل بين بلدين. بل يعتبر الكثير من سكان المناطق المتاخمة للحدود أن لا شيء بقي لهم سوى "الحد" في ظل التناسي المتعمد لهم من قبل الدولة قبل وبعد الثورة. والحدود مورد إقتصادي مربح يعوض غياب مشاريع التنمية الحكومية وهكذا فتجربة التهريب التي تخاض هي تجربة إجتماعية وذاتية تشكل جزءاً من المقاومة اليومية من أجل الاستمرار في العيش في مكان نسبة البطالة فيه تتجاوز 40 بالمئة.

تستوعب تجارة الحد الجميع. العاطلون عن العمل الذين لفظتهم المدرسة العمومية مبكرا (أعلى نسبة من الإنقطاع المدرسي على مستوى البلاد موجودة هنا)، وكذلك الشبان العاطلين عن العمل من خريجي الجامعات الذين وجدوا في التهريب الحل الأكثر ربحية. بعض الموظفين العموميين أيضاً من الذين عجزت أجورهم عن تلبية حاجاتهم انخرطوا في تجارة التهريب. التهريب الذي يسمى في اللهجة المحلية "الكونترا" يشمل كل السلع (العجلات المطاطية، النبيذ الفاخر، الملابس، العطور...). ولكن السلعة الأكثر تهريباً من الجزائر بإتجاه تونس هي البنزين بسبب الفارق في الثمن. يباع البنزين المهرب على قارعة الطريق أحياناً. إلا أن الضغط الذي تواجهه الحكومة من موزعي البنزين في البلاد يجبرها بين الحين والآخر على التعامل مع مهربي البنزين بحزم. وبحسب أرقام البنك الدولي هناك 3000 سيارة في اليوم تعبر الحدود التونسية الجزائرية بغاية التهريب، 60 في المئة منها يقوم بتهريب البنزين فيصبح بحسب المصدر نفسه ربع البنزين المستعمل في تونس متأتٍ من التهريب.

ليس من السهل أن تكون مهرباً

أن تكون مهربا على الحدود الجزائرية التونسية ليس بالأمر الهين. الأمر يحتاج أولا إلى القدرة على العيش بين تخوم الحياة والموت، أي قبول أكثر أنواع المخاطر التي تبدأ من انقلاب السيارة رباعية الدفع وصولاً إلى السجن مروراً باشتعال البنزين المحمل على السيارة أو مصادرة السلع المهربة من قبل رجال الجمارك ورجال الأمن الذين يراقبون مسالك التهريب. لهذا فالتهريب في تونس يبدو بمثابة الحرفة التي يتوجب معرفة أسرارها. هو يحتاج أولاً إلى رأسمال صغير نسبياً في البداية من إجل اقتناء سيارة رباعية الدفع وقادرة على تحمل الجغرافيا الصعبة للمنطقة. يدفع المبلغ الصغير ( بين ثلاثة ألاف وخمسة الآف دولار) كدفعة مسبقة لشركات الإيجار المالي وهي مؤسسات بنكية تقوم بـ"إيجار تجهيزات أو معدات أو عقارات لفائدة الأنشطة المهنية والتجارية والصناعية والفلاحية والخدمات". تقبل هذه الشركات المخاطرة مع المهربين عبر تمكينهم من سيارات رباعية الدفع ولكنها ستستعيدها منهم إذا ما أخفقوا في "مشروع التهريب". لهذا يعيش المهربون على وقع خوف مضاعف، من السلطات الأمنية التي قد تحجز السيارة والخوف من العجز عن الإيفاء بالإلتزمات المالية تجاه الشركة المؤجرة، وهو بحدود 25 ألف دولار ثمن السيارة المؤجرة، يدفع شهرياً 300 دولار لتسديد نفقات الإيجار. فعالم التهريب هو عالم اللايقين و اللامتوقع. إضافة إلى هذا لا بد من معرفة المسالك الفرعية للإفلات من الرقابة الأمنية. وأغلب المهربين من ابناء المنطقة يعرفونها فيما من هم ليسوا منها فيستعينون بأصيلي المنطقة. يعتمد المهربون أيضاً ما يسمى بـ"الكشاف" الذي توكل إليه مهمة مراقبة الطريق وإعلام قائد السيارة المحملة بالسلع بتحركات الدوريات الأمنية (عادة ما تكون مشتركة بين الحرس والديوانة). والصلة بين الكشاف والمهرب عضوية. فالتهريب لا يمارسه أفراد معزولون بل هو ممارسة شبكية متماسكة تتداخل فيها المصالح و تقتسم المرابح (وأيضاً مع مؤسسات الإيجار المالي وهي طرف فاعل ورئيسي). وللمهربين قدرة فائقة على عقد شبكة علائقية مع رجال الأمن والجمارك قصد حمايتهم واستعدادهم الدائم كي يدفعوا لهم مقابل هذه الخدمة. والعلاقة إشكالية وملتبسة في هذا النطاق. فالدولة تدرك جيداً أنها غير قادرة على توفير عمل في ظل منوال تنموي غير عادل، كما تعي أن أسطولها الأمني غير قادر على مراقبة التهريب بشكل ناجع. لهذا تتشكل مساحة "التسامح" هذه.

التفاوض يعني في عرف المهربين والسلطات الأمنية التي تراقب مسالك التهريب أن الاستفادة يجب أن تعم. يقر عديد المهربين الذي ينقلون السلع من حدود القصرين نحو مدن الساحل أو العاصمة أنهم "يشترون الطريق"، وذلك يعني أن مرورهم عبر دوريات المراقبة يتم أساساً عبر دفع الرشاوي. لذا فتكلفة إيصال السلعة قد تكون مرتفعة، وتعرف السلطات المركزية في العاصمة هذه المسألة جيدا لكنها تدرك أن التهريب هو متنفس للجهات المهمشة. بمجرد أن تضيق السلطة على المهربين تنفلت الأمور من عقالها و تتحول جزء من المناطق إلى "جغرافيات غضب". في كثير من الأحيان، وأساساً بعد الثورة، كانت القصرين منطلق الإحتجاجات، على غرار ما حدث في كانون الثاني /يناير لسنتين متواليتين في 2017 و2018 . تقول السلطة أن قادة الاحتجاج والفاعلين فيه هم من المهربين. وقد يكون الأمر صحيحاً نسبياً. وقد تعمقت مأساة "القصرين" أكثر بعد انتقال الخطاب المعادي للتهريب من مجال يركز على الحفاظ على الاقتصاد الوطني إلى ربط التهريب بالإرهاب.

التهريب على وقع الإرهاب

تدرك السلطات جيداً أن العلاقة بين التهريب والإرهاب ليست ميكانيكية. وحدها الظروف (العوامل الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية) هي التي تجعل المهربين والإرهابيين في موضع التقاطع. فالمحاصرة الأمنية للمهربين بضغط من قوى مصالح متنفذة قد أدت إلى خلق شعور بالسخط لدى الكثير من الشباب الذين يمتهنون هذه التجارة من أجل الاستمرار في العيش. ويعتري الكثيرين منهم شعور بأن السلطة تريد مصادرة مورد رزقهم الوحيد ــ وإن كان غير قانوني ــ تحت شعار "مقاومة الإرهاب". صحيح أنه قد استقطب الكثير من شبان القصرين القاطنين في الأحياء الفقيرة في شبكات الجهاد العالمي. لكن الربط الآلي بين الإرهاب والتهريب يعني بالنسبة لهم مزيداً من الإجحاف ومزيداً من الإقصاء. فالأرباح تتقلص اليوم بفعل الرقابة الأمنية التي صارت مشددة على جبل الشعاني والجبال المتاخمة له (على غرار جبل سمامة) و تقع كلها في محافظة القصرين.

ويبدو أن تضييق الخناق على المهربين يصب بطريقة غير مباشرة في صالح الجهاديين! فهو يؤدي الى مزيد من شح الموارد الاقتصادية في المنطقة وتزايد رقعة الفقر. والكثيرون ممن امتهنوا التهريب في السابق تخلوا عن ذلك وإلتحقوا بالإرهابيين. وقد استغلت المجموعات الإرهابية المتمركزة في جبل الشعانبي خبرة هؤلاء بالمسالك الجغرافية والقدرة على التخفي، وهو ما يساعدها على القيام بهجمات إرهابية وعلى تهريب الأسلحة و المؤونة. وهكذا، فمحاربة التهريب لا يعني بالضرورة محاربة الإرهاب. كما أنه، وعلاوة على السبب الإقتصادي أو المعيشي، تتولد رغبة لدى هؤلاء بالإنتقام من المنظومة السياسية والاقتصادية والأمنية القائمة.

(*) مصطلح السيبة يشير الى الفضاء او المجال الذي لم يكن مؤمنا ولا توجد فيه اجهزة للسلطة، وقد امتنعت قبائل بلاد السيبة عن دفع الضرائب

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من تونس

للكاتب نفسه