مفارقات التعليم في السعودية

هذه السنة امتلأت فصول المدارس العالمية القائمة في البلاد بالتلاميذ السعوديين. لم يعد الأمر يتطلب كثيراً من العناء. لا حاجة لإثبات أن أحد الوالدين ليس سعودياً، ولا حتى إلى إذن خطي من وزارة التعليم يتيح للأهل تسجيل أطفالهم في تلك المدارس. الحل بسيط: على الراغب أن يكون قادرا على تغطية الأقساط المالية لتلك المدارس التي ترتفع عاما بعد آخر. رفع المنعكانت المدارس العالمية
2014-01-22

مريم ترحيني

كاتبة لبنانية مقيمة في السعودية


شارك
جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في جدّة

هذه السنة امتلأت فصول المدارس العالمية القائمة في البلاد بالتلاميذ السعوديين. لم يعد الأمر يتطلب كثيراً من العناء. لا حاجة لإثبات أن أحد الوالدين ليس سعودياً، ولا حتى إلى إذن خطي من وزارة التعليم يتيح للأهل تسجيل أطفالهم في تلك المدارس. الحل بسيط: على الراغب أن يكون قادرا على تغطية الأقساط المالية لتلك المدارس التي ترتفع عاما بعد آخر.

رفع المنع
كانت المدارس العالمية ممنوعة على السعوديين خوفاً من تلوثهم بأفكار تأتي من الخارج، ونظرا للخصوصية التي يشدّد عليها أهل البلاد دوما عند الحديث عن مجتمعهم. الوضع اختلف الآن، وبرأي السلطات المعنية في المملكة، فهذا هو الحل الأخير لرفع كفاءة النظم التعليمية، ولردم الهوة الفاصلة بين الطلاب المواطنين وأولئك الوافدين: دمج الجميع في منهج واحد يبني السعودي المسلم والمفكّر في آن. غير أنّ السعوديين يقيسون حسن التعليم بقدرة أولادهم على تكلم لغة أجنبية تنحصر بالإنكليزية أو الفرنسية.
فالمدرسة الجيدة برأيهم هي التي تستطيع أن تخرّج لسانا يلهج بلغة الرجل الأبيض. هكذا توضع المواد العلمية في الدرج الأسفل للاهتمامات، لتحتل السعودية المراتب الدنيا بين الدول المهتمة بشؤون الرياضيات.
تسعى المملكة لتطوير منهجها الذي انحصر بداية على الدين والتربية وعلوم القرآن، وقليل من اللغة، تطويرٌ أنشئت لأجله وكالةٌ تتبع لوزارة التعليم تنحصر مهمتها في التخطيط. استحدثت المناهج، وحولت الكتب إلى تطبيقات متاحة لجميع الطلاب على أجهزة التكنولوجيا الحديثة. المشهد رائع، لا شيء يضاهي جمالية طالب يواكب العصر.
لكن خلف الصورة، بقية التفاصيل. فالمدرسون لم يخضعوا لتحديث كما حصل مع المواد المختلفة التي يعلمونها. ويعاني الكثير منهم من غياب أي ضمان لحقوقهم، ومن إستراتيجية توزيع في المناطق النائية في المملكة لأساتذة من غير أبناء تلك المناطق، ما نجم عنه الكثير من حوادث السير التي حصدت أرواح معلمات متنقلات من أجل الوفاء بوظائفهن، إلى جانب غيابهن عن عوائلهن لأسابيع طويلة. عدا عن غياب الضمان الصحي.
ولا يبدو أن هناك نظاما متوازنا للإحالات المرضية أو الإجازات الاضطرارية في حال إصابة العمل. وحتى الأهل واجهوا صعوبات في عملية التدريس، ورأوا في هذه التحديثات في المناهج قفزة هائلة قد لا تستوعبها العقول التي انسجمت مع نمط بسيط في التعلم. وعلى طرق الشرح والتلقين أن تختلف الآن، مع دخول الأجهزة الرقمية ساحة التعليم.

المفارقات
لا يمكن أن نفكر بالسعودية على أنّها دولة نامية، تحتاج لمعونات خارجية حتى تقف على قدميها في هذا المجال. هي بالتأكيد مجتمع إسلامي محافظ، ولكنه متطور على كافة الصعد. والسعودية تملك من المال ما يمكّنها من بناء جامعة في جدّة أشبه بدولة مستقلة، تحوي تكنولوجيا بأثمان خيالية وتمنح المتعلم فيها امتيازات عديدة. لا تحتاج السعودية إلى المال لتنمية مستواها التعليمي، إذ تحتل سنويا نفقات الخطط التعليمية ربع الميزانية الضخمة الموضوعة للبلاد. كل عام تصرف المليارات على الجودة التي تبحث عنها الحكومة ويريدها الشعب.
الجودة في المناهج التي تخرّج طالباً متميزاً قادراً على متابعة المشاريع الضخمة التي تقوم بها بلاده. ولكن السعودية دولة دينية يحكمها خطَ إسلامي متشدد، لا يتساهل حتّى مع أهل بلاده. في البداية اقتصر التعليم على الأمور التي تخدم هذا الخط، لم تكن المواد العلمية تحظى بشعبية ما دام الأطباء يُستوردون من مصر، والمهندسون من بلاد الغرب، وباقي اليد العاملة من شتّى أصقاع العالم. نتج عن هذا النظام شريحة شبابية غير قادرة على إيجاد فرصة عمل بسيطة في مملكة الأعمال هذه. بدأ الأمر يتصاعد بوتيرة متزايدة: لا يمكن للمستوى المحلي أن يضاهي في كفاءته المستوى المستورد. لا بدّ من حل. الحل هو الاستثمار في التعليم.
نهضةٌ هائلة تستهدف المؤسسات التعليمية بكافة مستوياتها، من مدارس وثانويات وجامعات. محاضرات وورش عملٍ وأموال تتدفق لتغير هيكلية التلقين. التعليم هو الحل للفكاك من التبعية للعمالة الأجنبية في البلاد.الضخ الهائل للأموال أدّى إلى تطور عشوائي، وانتفاخ في قطاعات تعليم دون الأخرى. هو أسهم في زيادة عدد المتخرجين من الجامعات بشهادات عليا، لكن ذلك أيضا لم ينفع في إيجاد فرص عمل لهم ما دامت الأيادي الأخرى أرخص وأكثر عدداً.
أما التعليم الأساسي، فرغم تحديث المباني والمناهج، والتركيز على مواد العلوم والرياضيات، وتغيير المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها المنهج التعليمي، وفتح المدارس بكافة أشكالها، الرسمية والأهلية والعالمية، أمام الطالب السعودي، فما زالت فاعلية التغييرات بسيطة. ولعل تلك الجهود المتضافرة تحتاج إلى مزيد من الوقت لكي تتبلور. 

الوقت كفيل بالحل؟
المردود مازال ضعيفاً وغير متناسب مع المتطلبات التنموية للمملكة، حيث تواجه العملية التعليمية مشاكل وأزمات متعددة تبدأ بأن «النظام الأساسي للحكم» يجعل الهدف من العملية التعليمية هو تنمية العقيدة الإسلامية وحب الوطن وبناء الشخصية.
ولا تنتهي عند وجود قوى محافظة وأفراد نافذين من داخل المجتمع التربوي ومن خارجه يعرقلون توجهات التغيير والتطوير. ويرى بعض الباحثين أن برنامج التعليم لا يزال في عداد برامج محو الأمية، ولا يمكن وصفه بأنه تعليم متخصص، علاوة على أنه يعاني من التشتت في الأهداف التربوية والتعليمية. قد يعود ذلك في جزء منه إلى اعتماد المناهج على الحفظ والتلقين، كما تسود مواد التربية الدينية في مقابل نقص في سائر المواد، العلمية والثقافية.
يتسبب ذلك في تعزيز نمط شخصية الطالب أحادية البعد. ولا يمكن لذلك أن يبني مجتمعاً تسوده قيم التسامح الضرورية للعملية الفكرية؛ أساس كل تعليم ناجح. هذا في الاساس، وثمة معوقات أخرى، منها أن وزارة التعليم تعتمد أكثر على مبدأ استئجار المباني التي قد لا تفي بقائمة الشروط التربوية والتعليمية المطلوبة للمدارس، هذا عدا عن الشروط الصحية في ظروف السعودية المناخية الصعبة.
فالعديد من المدارس تأخذ شكل مجموعة من المنازل المتلاصقة، وبعملية قص ولصق يظهر شكل المدرسة.
ويتسبب نقص المدارس في ازدحام الطلبة وتكدسهم، مما ينعكس سلباً على الجميع. جملة المشاكل والتحديات التي يواجهها القطاع التربوي والتعليمي في السعودية تبدو طويلة وبلا حلول، وهي كغيرها من المواضيع الحساسة في المملكة، تعاني من التغطية الإعلامية السيئة، والنقص الحاد في المعلومات المتوفرة.

مقالات من السعودية

خيبة م ب س الاقتصادية

كان النزاع المدمر على سوق النفط، ودور السعودية - وبخاصة محمد بن سلمان- في تأجيجه، مقامرة وحماقة في آن. فإن كانت السعودية تخسر 12 مليون دولار يومياً مقابل كل دولار...

للكاتب نفسه

السعودية تقاتل البعبع

حفرت الدالوة اسمها عميقا في الذاكرة السعودية. انتبهت المملكة فجأة الى أنّها ليست بعيدة عن خط النار، وأنّ زمام الأمور على أراضيها قد يسلّم نفسه للشيطان ليعيث في أمنها المضبوط...

... فلنمُت إذاً

أوردت صحيفة سعودية خبراً عن توقيف امرأة تقود سيارة في منطقة صفوى في القطيف متوجهة فيها إلى المشفى إثر تعرضها لأزمة بسبب مرض مزمن. سمحت الشرطة للمرأة بتلقي العلاج، ومن...