معلمو البعثات: "ينقصنا نظام تعليمي ملائم ومتكامل"

الداء الاصيل في سياسة البعثات وفي التعليم عموماً: توضع الخطط وتُدبّر الموارد اللازمة لتنفيذها. أما متابعة التنفيذ وقياس النتائج، فهما الضرورتان الغائبتان دوما عن المشهد. لذلك لا يتحسن الوضع.
2018-03-26

بسمة فؤاد

باحثة من مصر


شارك
ولاء دكاك - سوريا

تستقر علامات التخبّط  في المشهد التعليمي بكل مستوياته في مصر. لكن، وإيماناً بضروة توجيه الانتباه لأي بارقة أمل - مهما بلغت محدوديتها - علّها تكون نواة نور تمتد لموجات تنتشر حولها فيما بعد، فإنه علاوة على طرح سؤال الجدوى وراء التدريبات التي تنظمها الدولة بغية التنمية المهنية للمعلمين، نتعرض هنا للبعثات التدريبية للمعلمين بالخارج، ونتحسس العائد منها في تطوير التعليم  في المدارس المصرية.

البعثات: فكرة قديمة متجددة

تعود فكرة البعثات لأوائل القرن التاسع عشر مع النهضة التعليمية التي قادها محمد علي باشا.  ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا تطورت فكرة البعثات واتبعت سياسات تنظيمية مختلفة، كما استهدفت تطوير العاملين في مجالات مختلفة، لكن الفلسفة الأصيلة التي ترتكز عليها فكرة البعثات عموماً تبقى هي نفسها: أن الدولة تتكفل بإيفاد نخبة من أكفأ العاملين في مجال ما إلى بلد رائد ومتطور فيه،  بما يوفر للمبتعثين فرصة للاحتكاك المباشر بالتطورات والمستجدات الخاصة بهذا المجال،  فيما يفترض بالدولة أن تنظم كيفية محددة للاستفادة بخبرات أبنائها العائدين من البعثة والاستعانة بهم في مواكبة التوجهات العالمية في مجال البعثة بشكل عام. وفي ضوء ذلك، فإنه يتعين على المعلمين المتقدمين للبعثات في مصر اجتياز مجموعة من الاختبارات والتدريبات اللازمة لتحصيل الفرصة وفتح الطريق أمامهم للسفر.  لكن السؤال ما زال قائما حول  مدى وفاء البرنامج التدريبي لتلك البعثات بتحقيق النفع المرجو للمعلمين المبتعثين، ثم مدى رحابة البيئة التعليمية في مصر وقدرتها على التطور والاستعانة بخبرات روادها العائدين من الخارج.
وفقاً لما أفاد  به بعض المعلمين، فإن مدة البعثة تمتد لحوالي ثلاثة أشهر، تزيد أو تقل طفيفاً، وتستهدف غالبا معلمي "العلوم والرياضيات واللغة الإنجليزية"، ويتركز معظم برنامجها التدريبي في محاضرات نظرية حول مبادئ تكنولوجيا التعليم وطرق التدريس الحديثة والمناهج وغيرها من علوم التربية، بينما لا توجد محاضرات تتناول المواد التخصصية على الإطلاق، هذا بالإضافة للقيام بزيارات ميدانية لمدرستين أو ثلاثة على الأكثر،  بحيث يُدعى معلمي البعثة لزيارة  كل مدرسة كمشاهدين ــ فقط ــ للحصص الدراسية ولمسار اليوم الدراسي.

رحلة عابرة.. ولكن

وعلى الرغم  من محدودية المدة الزمنية للبعثة، والاكتفاء بإسناد دور المتفرج للزوار المبتعثين عوضاً عن إتاحة فرصة حقيقية لهم للاحتكاك بالبيئة المدرسية في المدارس المَضيفة، وعلى الرغم من إستحالة المقارنة بين "تعليمنا وتعليمهم" لأسباب موضوعية كثيرة، إلا أن الانطباع الأقوى الذي يفرض نفسه ليستقر في وعي المعلمين إثر تلك الرحلة العابرة، هو أن وجود تعليم حقيقي وفعال لا ينبع من تفوق في أحد عناصر العملية التعليمية أو حتى فيها جميعاً، لكنه يأتي من التوظيف الواعي لكل العناصر معاً في نظام تعليمي متكامل ومدروس، ما يعني أنه حتى وإن بلغ المعلِّم أعلى درجات التأهيل المهني فإن قدرته على المساهمة في الارتقاء بالتعليم تظل مرهونة ببقية العناصر الفاعلة في المنظومة.

وجود تعليم حقيقي وفعال لا ينبع من تفوق في أحد عناصر العملية التعليمية أو حتى فيها جميعاً، لكنه يأتي من التوظيف الواعي لكل العناصر معاً في نظام تعليمي متكامل ومدروس..

يُفصل ذلك أحدهم (عائد من بعثة لجامعة استراثكلايد في إسكتلندا 2006)، استنادا لما سجله أثناء زيارته لمدرستي جون بول أكاديمي ونايتس وود: "المدرسة هناك مكان آمن ونظيف ومجهز للترفيه والتعليم على حد السواء، إذا بدأنا بالمبنى المدرسي فهو مؤمن بدرجة كبيرة، فالمدرسة محاطة  بأسوار وحوائط عالية  وأبواب خارجية خشبية سميكة مؤمنة بكاميرات، ولكل فصل بابين للخروج على جهتين منفصلتين، والإرشادات في حالة حدوث حريق معلقة في كل مكان، كذلك تتوفر أدوات الإطفاء في الطرقات والسلالم والمعامل والفصول. وقد رأيت بنفسي تجربة إخلاء للمدرسةــ على فرض حدوث حريق ــ وتم خروج الجميع خارج المبنى بكل جدية، بل وحضرت المطافي والإسعاف وتمّ قياس وقت وصولهما. ولتيسير سير العملية التعليمية، فإن كل فصل مزود بوفرة من وسائل التكنولوجيا الحديثة والأدوات المكتبية المتاحة للمعلمين والتلاميذ على السواء. وللترفيه، يوجد داخل المدرسة ملاعب مغطاة وحمامات سباحة مُدفأة ومطاعم"، ويستكمل: "أما المناهج، فيحكمها نظام مُفصّل وبرامج متعددة توفر اختيارات للطلاب كلٌ بما يناسب قدراته الأكاديمية". يؤكد آخر (عائد من بعثة لجامعة ليستر- إنجلترا 2015): "المناهج متنوعة ولا توجد فكرة المناهج الموحدة على كل المدارس، ولأن طرق التقييم تُعنى  بقياس مهارات محددة، فهي تلعب دوراً حاسماً في توجيه طرق التدريس لتنمية تلك المهارات".

المعلم: هنا .. وهناك

ربما من الصعب أن يتجنب المعلم المبتعث مقارنة حاله بحال نظيره في البلد المضيف، وبغض النظر عن أية اختلافات موضوعية تُسفه العملية وتنزع عنها وجاهتها،  فإن ما تسفر عنه المقارنة المحتومة هو شعور عام بإن المعلم في مصر "مطحون"، حيث الجهد البدني والذهني الكبير الذي يصرفه في العمل يفوق بمراحل ما يبذله المعلم الذي يعمل في نظم تعليمية متقدمة. تبدأ المعاناة ــ هنا ــ من العمل في فصول مكدسة وضرورة إنجاز مناهج دراسية كثيفة في فترات زمنية قصيرة، ولا ينتهي حدّ إقحام المعلم في العديد من الأعمال الإدارية والإشرافية لعدم وجود من ينوب عنه في تلك الأعمال.

"تعلمت بالفعل من رؤيتي للمعلمين هناك أن أكون أكثر رفقاً بالطلاب وأن يتسع صدري أكثر لمزاحهم، ولكن ما تعلمته هذا يخصني وحدي ولم يكن هو المقصود من البعثة"

وهكذا يمتد العبء لتكليفه باستيفاء الكثير من التسجيلات الكتابية التي تعد وسيلة مهمة لإثبات عمل المعلم وبالتبعية إمكانية تقييم أداءه، وفقاً للمعمول به في النظام التعليمي في مصر.  يقول أحدهم: "رأيت التعليم هو المهمة الوحيدة التي يتصدى لأدائها المعلم هناك، وهو في ذلك متحررٌ تماما من كل روتينيات الكتابة وسخافات التحضير النمطي، حيث توفر الوسائط الإلكترونية المحملة بعروض شيقة للمناهج المختلفة بديلاً معتبرا عن كل هذا "الورق". وما على المعلم إلا إدارة تفاعل الطلاب مع المادة التعليمية المعروضة". ويحكي آخر: "رأيت الطلاب يعملون أكثر من المعلم، فهم مقسمون على مجموعات تعمل في ضوء توجيهات محددة، وفي النهاية فقط يعلق المعلم على النتائج التي يخرج بها الطلاب"، ذلك طبعا بخلاف مستوى الدخل المقبول ومكاتب العمل النظيفة والمشجعة على الإنجاز.

ماذا بعد العودة؟

لا شك إذاً أن تلك البعثات توسع مدارك المعلمين المبتعثين وتفتح أعينهم على رؤية نماذج متطورة للتعليم. ولكن إلى أى مدى تساهم معاينة ومعايشة تلك الأنظمة التعليمية المتكاملة في تطوير التعليم في مدارسنا بواقعها المأزوم؟ كيف يتغير الأداء المهني للمعلم بعد عودته من البعثة؟ جاءت الإجابة محبطة ــ ولكنها متوقعة ــ  فيما يخص الشق الأول من السؤال، حيث كفاءة المعلم وحدها لا تكفي لإنقاذ الموقف، ووعي المعلم بكيفية استخدام وسائل التكنولوجيا لا يفيد في بيئة تعليمية لا تتوفر فيها تلك الوسائل. لذلك يعلّق أحدهم: "على الرغم من إستفادتي الشخصية من البعثة، إلا أنني أرى أنها إهدار لأموال طائلة بلا نفع حقيقي، ذلك لأن الهدف منها تنمية مبادئ استخدام التكنولوجيا في التعليم، وهو ما كنت أحيط به من قبل السفر. وبفرض أنني تعلمته من هناك، فما الفائدة إذا كانت المدرسة التي أعمل بها غير مجهزة لتوظيف ما تعلمته؟"، يستطرد موضحاً: "لقد تعلمت بالفعل من رؤيتي  للمعلمين هناك أن أكون أكثر رفقاً بالطلاب وأن يتسع صدري أكثر لمزاحهم، ولكن ما تعلمته هذا يخصني وحدي ولم يكن هو المقصود من البعثة". ويرفض آخرون وصف الأموال الموجهة لإتمام البعثات "بالمهدرة"،  يقول أحدهم: "نعم العقبات التي تواجهني كبيرة.. لكنني أحاول دائما تقليد ما رأيت". ويستدرك: "بقدر المستطاع!"، فيما يبدو أن حجم هذا "المستطاع" قليل جداً.. ولكن ماذا عن الدروس الخصوصية التي تعتبر أحد آفات النظام التعليمي القائم والتي تحاربها الدولة في مصر، فهل يمتنع عنها معلمو البعثات باعتبارهم صفوة رائدة بين المعلمين؟ جاءت الإجابة مجاهرة حاسمة وواثقة بـ"لا"، وكان التعليل أن الدروس الخصوصية أحد نتائج تدهور النظام التعليمي بأكثر مما تكون أحد أسبابه.
وهكذا يتجلى الداء المصري الأصيل مجددا في سياسة البعثات، والأمر لا يقتصر على تدريبات المعلمين أو بعثاتهم، ولكن الجهود المبذولة عادة في تطوير التعليم في مصر تبدأ دوما بوضع الخطط وتنتهي عند تدبر الموارد اللازمة لتنفيذها أما متابعة التنفيذ وقياس النتائج، فهما الضرورتان الغائبتان دوما عن المشهد، لذلك لا يتحسن الوضع ولا يتقدم أبداً.

مقالات من مصر

للكاتب نفسه