على أي سكةٍ ستأتي النكبة القادمة؟ (1)

كيف يتغيّر الإطار القانوني للقمع الإسرائيلي، وما الدور الذي تشغله هذه التغيّرات في تصميم التطهير العرقي مستقبلاً. ثم كيف يتلائم ذلك مع السياق الاجتماعي والسياسي في إسرائيل اليوم.
2018-03-29

مجد كيّال

كاتب فلسطيني من حيفا


شارك
بهرام حجو - سوريا

"سيكون ليلاً قطبياً من الظُلمة والقسوة المتجمّدتين..." ماكس فيبر

لم تكتمل النكبة بعد. لا زلنا هنا ولا يزال الحساب مفتوحاً، للمجرم كما للضحيّة، مناضلةً كانت أم خانعة. وبينما نسعى تائهين نحو العدالة والحريّة، يمضي المجرم في التغيّر والتحوّل صانعاً، بحِرفيّةٍ عالية، ماكينة الدم والقمع التي لا تعرف، لا ترى، لا تسمع ولا تلمس أي حسٍ غير هدفها الوحيد، أيديولوجيّتها الوحيدة، هوسها الوحيد: تأمين أغلبيّة يهوديّة مستعمِرة في أرض فلسطين.

ليست هذه قراءة تاريخيّة للفكر الصهيونيّ فحسب، إنما هو الواقع اليوميّ في داخل إسرائيل. في الصحافة والمؤسسات الحاكمة، في "المجتمع المدني" والإنتاج المعرفي. كل منبرٍ يضجّ بهوس الأغلبيّة اليهوديّة، وكلّ زاويةٍ تعيش كابوس الأغلبية العربية. أما أركان النكبة الخمسة ــ المجازر، التهجير، الهدم، المصادرة، والحكم العسكريّ ــ فهي مستمرّة دون توقّف. هكذا، في ظلّ النفي الوجودي، فإن الماهيّة الوحيدة للسياسة الإسرائيليّة بالنسبة للفلسطينيّ هي التطهير العرقيّ.

يحاول هذا النص أن يفهم كيف يتغيّر الإطار القانوني للقمع الإسرائيلي، وما الدور الذي تشغله هذه التغيّرات في تصميم التطهير العرقي مستقبلاً، وكيف يتلائم مع السياق الاجتماعي والسياسي في إسرائيل اليوم.

كيف يتغيّر القانون؟

يوم 14 كانون أوّل/ ديسمبر 2017، أصدرت المحكمة الإسرائيليّة العليا قراراً بشأن التماس قدّمته مؤسسات حقوقيّة فلسطينيّة لتحرير جثامين الشهداء المحتجزة لدى إسرائيل. في قرارها، قبلت المحكمة إدعاءات المنظّمات الحقوقيّة بأن الشرطة الإسرائيليّة تحتجز جثامين الشهداء بهدف الضغط على عائلاتهم وفرض قيودٍ على مراسم دفنهم، وأن الشرطة تفعل ذلك "دون صلاحيّة قانونيّة"، وقد بتّت المحكمة لصالح المنظّمات التي تمثّل عائلات الشهداء. في أيلول/ سبتمبر من العام ذاته أصدرت المحكمة الإسرائيليّة العليا قراراً آخر: ألغت قرار وزير الداخليّة الإسرائيليّ سحب الإقامة الدائمة من أربعة نوّاب المجلس التشريعي المقدسيين ــ أحمد عطّون، محمد أبو طير، محمد طوطح، وخالد أبو عرفة ــ وكان يعني تهجيرهم من مدينتهم إلى الضفّة الغربيّة، وذلك بحجّة أنّهم "خرقوا الولاء لدولة إسرائيل". في هذه القضيّة أيضاً، وجدت المحكمة العليا أن وزير الداخليّة لا يملك الصلاحيّة القانونيّة لسحب الإقامة الدائمة على خلفيّة "خرق الولاء".

إلى هنا، تبدو قرارات المحكمة ورديّة، إلا أن هذين القرارين ينقصهما تفصيل هام: في الحالتين، جمّدت المحكمة العليا قرارها لستة شهور يتسنّى خلالها للحكومة الإسرائيليّة تقديم مشروع قانون جديد يُعدّل القانون القائم بحيث تُعطى الصلاحيّات لوزير الداخليّة أو للشرطة لسحب الإقامة أو احتجاز الجثامين ــ لارتكاب جرائمهم دون الإخلال التقني بالقانون وبتوزيع الصلاحيّات. تلقائياً، قدّمت الحكومة الإسرائيليّة للبرلمان مشروعي قانون لتقنين وشرعنة أفعالها بما يتلائم مع قرار المحكمة. ببساطةٍ شديدة، ودون معارضةٍ تُذكر، وبتغطيةٍ لا تتعدّى 300 كلمة في الصحافة الفلسطينيّة والإسرائيليّة على حدٍ سواء، سنّ البرلمان الإسرائيلي خلال آذار/ مارس الجاري قانونين يسمحان باحتجاز الجثامين وتهجير نوّاب المجلس التشريعي المقدسيين من مدينتهم بحجّم "خرق الولاء" لإسرائيل.

مُعظم القوانين العنصريّة والقمعيّة في إسرائيل تُسن كتعديلات لقوانين قائمة أصلاً. معنى ذلك أن كل تعديل للقانون يفتح الباب لتعديل إضافي يتفرّع منه مستقبلاً ويُمكّنه، عملياً، من تعميق القمع..

ليست هذه الحالة الأولى التي يُصاغ فيها القانون بهدف الالتفاف على قرارات تقنيّة للمحكمة. يُمكن إحصاء قائمة طويلة من القوانين التي سُنّت كرد فعلٍ على قرارات "إيجابيّة" للمحكمة اعتمدت على نقاش الالتماسات الحقوقيّة بمنظار قانوني تقني بدلاً من منظار حقوقي مبدئي، أو بمنظارٍ حقوقي معطوب لمجرد التزامه بالقيم الصهيونيّة المناقضة للديمقراطيّة جوهرياً. بات هذا النهج ــ تعديل القوانين لتجاوز قرارات المحكمة ــ مرتبطاً بعاملين متشابكين: تركيبة الحكومة الإسرائيليّة المنسجمة كلياً في أشكال نفي الوجود الفلسطينيّ من جهة. ومن جهة أخرى، النهج المحافظ للمحكمة الإسرائيليّة التي باتت تعتمد البحث التقني، غير الحقوقي بما يتعلّق بقضايا الفلسطينيين. ويتشابك هذان العاملان من خلال النوايا المعلنة للأحزاب الإسرائيليّة الحاكمة لإحداث تغييرات جذريّة في النظام القضائي وتركيبات القضاة.تشكّل ديناميّة تغيير القانون هذه منتوجاً نهائياً: شكلاً جديداً من قمع الفلسطينيين ونفي وجودهم المادي والسياسي. هنا، يُطرح سؤالان: أولاً، كيف يُمكن لتغيير في القانون أن يُحدث تغييراً شاملاً في منظومة القمع؟ ثانياً، كيف تتفاعل السلطات الثلاث، وما هي أدوارها، في إنتاج هذه الديناميّة؟ وبعد الإجابة على هذين السؤالين يتصدى الجزء الثاني من النص لسؤال: إلى أين وإلى ماذا تقود هذه التغييرات في الإطار القانوني؟

كيف تتألف المنظومة الشاملة؟

تضطر الجهات الحقوقيّة المهنيّة إلى نقاش القوانين بما يوقعه القانون من غبنٍ في الحاضر. تناهض الجهات الحقوقيّة الوظيفة المباشرة التي يؤدّيها القانون، أما تحليل الوظائف غير المباشرة فتبقى إمكانيّاتها محدودة بطبيعة الحال بالنسبة للجهات المهنيّة، ومن ضمنها منظّمات حقوق الإنسان كمنظّمات غير مسؤولة عن العمل السياسي. يُحبط النقاش المهنيّ إمكانيّات عديدة لتوقّع وتخيّل ما يُمكن للإسرائيليين فعله بهذا القانون وكيف يستخدمونه. فبوسع منظمة حقوقيّة أن تحلل، مثلاً، بأن قانون سحب الإقامة الدائمة بحجة "خرق الولاء" يشكل أداة لتهجير المقدسيين من المدينة إلى الضفّة الغربيّة. لكنّ وجهة النظر هذه، أقل ما يقال فيها، أنها تتعامل مع القانون باعتباره ساكناً. بيد أن الميزة الأهم للقانون، خاصةً في الظروف السياسيّة القائمة في فلسطين، أنّه دائم التطوّر والتغيّر، وأنه لا يمكن قياس القانون بما يصنعه الآن وإنما بما يوفّره من إمكانيّات مستقبليّة.

قراءة القانون باعتباره متغيّراً تتطلّب إضافة ثلاثة معايير أخرى: المعيار الأوّل، إمكانيّة تعديل القانون مستقبلاً أي ما الذي يُمكن أن يضاف إليه أو يتغيّر فيه دون أن تلحقه أي احتجاجات أو معارضة، وكيف يرفع تعديل القانون السقف بدرجةٍ واحدةٍ لا غير، لكنه يفتح الإمكانيّة للمراكمة المستمرة؟ المعيار الثاني هو كيف يتفاعل هذا القانون مع القوانين الأخرى المتعلّقة به؟ ثالثاً، معيار الظرف الاجتماعي والسياسي المتغيّر الذي لا يمكن ضمان مآلاته. هذه معايير لا تستطيع مهنة القانون وحدها أن تُجيب عليها، إنما هي أسئلة قانونيّة تُبحث في حقول الاستراتيجيا وعلم الاجتماع السياسيّ، ولا بد من التنبّه إلى محدوديّة التفكير القانونيّ في هذا المجال.

في شرح معيار التعديلات: عملياً، مُعظم القوانين العنصريّة والقمعيّة في إسرائيل تُسن كتعديلات لقوانين قائمة أصلاً (إجراء سنّ التعديل مطابق لسن القانون). معنى ذلك أن كل تعديل للقانون يفتح الباب لتعديل إضافي يتفرّع منه مستقبلاً ويمكّنه، عملياً، من تعميق القمع. وقد يكون أفضل مثال على ذلك البند 7 من "قانون أساس: الكنيست"، وهو البند الذي يُنظّم إمكانيّة منع الترشّح للبرلمان، وبالتالي فهو يتطرق لملاحقة وقمع الأحزاب الفلسطينيّة داخل الأراضي المحتلّة عام 1948.

تَشْغل المحكمة دوراً يمتحن قانونيّة الممارسة (وليس عدالتها)، فلا تمنع الممارسة المجحفة، وإنما تُجبر الحكومة على تقنينها..

قبيل الانتخابات الإسرائيليّة عام 1984 مُنعت "القائمة التقدميّة للسلام" (وهي قائمة انتخابيّة أسستها حركات فلسطينيّة داخل الخط الأخضر إلى جانب يهود مناهضين للصهيونيّة) من الترشّح للبرلمان، إلا أن الحركة قدمت التماساً للمحكمة العليا قبيل الانتخابات، وقد نقضت المحكمة قرار المنع البرلمانيّ. بعد الانتخابات، وكرد فعل على قرار المحكمة، عدّل البرلمان البند 7 من "قانون أساس: الكنيست"، وأضاف إليه بنداً فرعياً (تعديل رقم 9) يمنع ترشّح "من يهدف ويعمل، بشكلٍ مباشرٍ أو ضمنيّ من أجل نفي وجود دولة إسرائيل كدولة الشعب اليهودي، ينفي الطابع الديمقراطيّ للدولة، يحرّض على العنصريّة"، حتّى ينطبق قانون المنع على القائمة التقدميّة في الانتخابات القادمة.

من هنا، بدأ البند الفرعيّ 7 (أ) يتدحرج ككرة ثلج: التعديل رقم 35 عام 2002، بعد انطلاق الانتفاضة الثانية، أضاف منع ترشّح "من يدعم الكفاح المسلّح لدولة عدو أو منظمة إرهابيّة ضد دولة إسرائيل". هذا التعديل فتح باباً لتعديلٍ إضافيّ يتفرّع منه. عام 2008، بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2006 وزيارة نوّاب من حزب "التجمّع" ضاحية بيروت الجنوبيّة، جاء التعديل رقم 39، والذي يعتبر أنّ "المكوث في أرض عدوّ في السنوات السبع السابقة للترشّح" هو نوع من "دعم الكفاح المسلّح"، وبالتالي ينطبق عليه التعديل رقم 35. وفي العام 2017 أضيف التعديل 46 والذي يضيف إلى التعديل 9 منع من "يُعبّر في تصريحاته" عن نفي وجود دولة إسرائيل كدولة يهوديّة، أي أن لا حاجة "ليعمل" المرشّح ضد الدولة اليهوديّة كي يُمنع من الترشّح، بل تكفي لذلك تصريحاته. هذا من جانب يشرح كيف تُستخدم آلية تعديل القانون كأداة لإجراء تغييرات تراكميّة صغيرة لكنّها تؤدّي بشكلٍ بطيء إلى تحوّل القانون فاشياً دون أن يجتذب ذلك أي معارضة دوليّة أو حتى اكتراث فلسطيني، بل ويستدرج الفلسطينيين، من خلال التماسهم لجهاز القضاء، للمزيد من التنازلات من أجل ملائمة نفسهم مع هذا القانون.

أما المعيار الثاني عن كيف تتفاعل القوانين فيما بينها، فإن "العمل والتصريح" الذي يشكّل دعماً للكفاح المسلّح "لدول عدو أو منظّمات إرهابيّة" بحسب البند 7(أ) من قانون الكنيست، يرتبط بقوانين وأوامر حكوميّة أخرى هي التي تُعرّف ماهيّة "الدولة العدوّ" و"المنظّمة الإرهابيّة". فالقانون الإسرائيليّ الجديد الذي سُنّ عام 2016 تحت حجّة "مكافحة الإرهاب" يعرّف، بحسب مركز عدالة الحقوقي، "النشاطات السياسيّة وحتّى الإنسانيّة والثقافيّة للفلسطينيين داخل إسرائيل، على أنّها عمل إرهابيّ لمجرد أنّها تناهض الاحتلال وتساند ضحاياه". وبهذا، فهو يوسّع إلى حدّ بعيد إمكانيّات استخدام "قانون أساس: الكنيست" لمنع التمثيل السياسيّ للفلسطينيين في الداخل، إضافةً طبعاً إلى أنّه يسهّل عمليّة إعلان أي رابطة أو جمعيّة في العالم كمنظمة إرهابيّة حتّى لو كانت منظمة خيريّة (مثل منظّمة IHH التركيّة التي نظّمت "أسطول الحريّة" إلى قطاع غزّة)، أو حتى إن كانت نعتاً لتحرّك اجتماعي/ جماهيري ليس له أي وجود تنظيمي فعلي (مثل إعلان "الحراك الشبابي" في فلسطين منظّمة إرهابيّة).

هذه أمثلة تتعلّق في مجال واحد وضيّق جداً: الترشّح للبرلمان. وهناك مجالات أخطر بكثير يجري فيها تعديل القانون بشكلٍ مستمرٍ، بدقةٍ وبمراكمة تخلق بشكل بطيء قوانين مُمْعنة في قمعيّتها دون أن يجرّ سنّها موجة استنكارٍ أو رفض. جهاز القوانين متشعّب ومتشابك، يتفاعل مع بعضه البعض ويدفع باتجاه المزيد من القمع. وأخطر ما في هذه القوانين أنها تولد ــ وهذا المعيار الأهم ــ مجتمعاً استعمارياً متغيّراً هو بدوره، وهي تؤسس بتروٍ للحظة التي "تنزع فيها القيادة صمّام الأمان" (بكلمات المؤرّخ الإسرائيليّ يجئال عيلم) لينفجر المجتمع المُستَعمِر، فيكون القانون جاهزاً ليؤطّر الجريمة المرعبة.

تعديل القانون الذي يسحب الإقامة الدائمة من المقدسيين بحجّة "خرق الولاء" يُمكنه أن يتحوّل بين ليلةٍ وضحاها، لو أرادت القيادة الإسرائيليّة ذلك، إلى سلاح لتهجير عشرات آلاف الفلسطينيين من القدس خلال سنوات معدودات. يمكن ذلك من خلال تقنين وتوسيع مفهوم "خرق الولاء" إلى أبعد حد وربطه بالتعريف الواسع الذي تعتمده إسرائيل "للإرهاب" (حتى النداء لمقاطعة إسرائيل بات في عرف المحكمة العليا "إرهاباً سياسياً"). السؤال، إذن، لا يتعلّق بالحاضر. ولا يتعلّق بما نراه ممكناً أو غير ممكنٍ اليوم. لكنّه يتعلّق بما يفتحه القانون من إمكانيّات مستقبليّة تدفعه إلى عبثيّة مرعبة وجريمة كُبرى.

تهذيب الاعتباط

واحدة من أكثر الصفات استخداماً في وصف السياسات الإسرائيليّة في الصحافة الفلسطينيّة والعربيّة هي صفة "التعسّف"، إذ اعتادت مؤسسات حقوق الإنسان اعتمادها كترجمة لمصطلح " arbitrariness، وإن كانت الترجمة الأنسب هي "الاعتباط"، أي أنّها سياسة عشوائيّة أو تعتمد على معايير غير موضوعيّة ولا سببيّة ولا منهجيّة. في السياق القانونيّ تُستخدم الصفة للإشارة إلى الممارسات القمعيّة التي تخالف القانون الإسرائيليّ بذاته. على هذا المستوى فإن ماهيّة فصل السلطات في إسرائيل، بالنسبة لحقوق الفلسطينيين، هي منع اعتباط وتعسّف وعشوائيّة القمع والحفاظ على أن يُمارَس وفق القانون، وليس منع القمع أو الظلم بحدّ ذاتهم.

حين تتعلّق القضيّة بحقوق الفلسطينيين، نستطيع أن نراقب في إسرائيل ظاهرةً سياسيّة مثيرة للاهتمام: ممارسة لمبدأ فصل السلطات مجرّداً من مبدأ التوازنات والضوابط. عملياً، لا تشكّل السلطات المنفصلة روادع فيما بينها، وإنما تشكّل منظومة تتكامل لتنجيع وترتيب ومراقبة قمع الفلسطينيين بهدف عقلنته بواسطة القانون. تَشْغل المحكمة دوراً يمتحن قانونيّة الممارسة (وليس عدالتها) فلا تمنع الممارسة المجحفة، وإنما تُجبر الحكومة على تقنينها. عملياً، تعمل المحكمة كصمام يحفظ عقلانيّة القمع، وتضمن إدارته في إطار موضوعيّ واضح ومنظّم. أما الحكومة المنسجمة تماماً من حيث الاتفاق على أشكال وأساليب قمع الفلسطينيين، فهي تحاول صياغة القوانين بأنجع شكلٍ ممكنٍ وتتحمّل على عاتقها حساب الانتقادات أو الإسقاطات الدوليّة أو الأمنيّة أو حتى على صعيد السياسة الداخليّة، لهذا القانون أو ذاك، كما يحدث في قوانين ضم الأراضي المحتلّة، أو كما حدث في مشروع قانون "برافر" لهدم وتهجير القرى غير المعترف بها في النقب، وتُقدّمها للبرلمان ليصادق عليها دون أي معارضة تُذكر. عملياً، تضمن المحكمة تنفيذ سلطة القانون من خلال تعديل القانون لا من خلال تقويم ممارسات السلطة.

لكن المثير أن هذه العمليّة الجدليّة "البنّاءة" بين المحكمة والحكومة، والبرلمان كأداة توفيق بينهما، لا يُمكنها أن تعمل دون ملتمسين للمحكمة. ليس للمحكمة صلاحيّة بالتدخّل في عمل الحكومة من تلقاء نفسها، إنما هي تتجاوب مع الدعاوى التي يُقدّمها الفلسطينيّون بواسطة محامين خاصّين أو مؤسسات حقوقيّة. عملياً، كل التماس يُقدّمه فلسطينيّ للمحكمة العليا مطالباً بحقّه، مدّعياً أنّ ممارسة إسرائيليّة معيّنة ارتُكبت "دون صلاحيّة قانونيّة" أو بشكلٍ مخالفٍ للقانون الإسرائيليّ، هي بالوقت ذاته مجازفة بأن يؤدّي القرار إلى تغيير في القانون الإسرائيليّ، وأن تتحوّل الممارسة التعسفيّة إلى قانون دائم. على المستوى النظري، نقف أمام فارقٍ جديّ: يتحوّل القمع من ممارسةٍ تختارها السلطة إلى قانونٍ مُلزِم وفقاً لمبدأ "سلطة القانون". صحيح أن هذا الفارق النظريّ لا يغيّر الكثير بالنسبة لقمع الفلسطينيين في المستقبل القريب، ولكنه يتّخذ بعداً مختلفاً كلياً حين نبدأ بقراءته في السياق الاجتماعيّ المتغيّر لمجتمع المستعمرين الإسرائيليّ واحتمالاته المستقبليّة على المدى البعيد.

يتناول الجزء الثاني: إلى أين وإلى ماذا تقود هذه التغييرات في الإطار القانونيّ؟

مقالات من فلسطين

من قتل يارا؟

إليكم العناصر الفعلية لحبكة قصة مقتل يارا، الصبية الفلسطينية من إحدى قرى الجليل.. بغض النظر عن الملابسات المخصوصة لجريمة قتل "عادية" تطال النساء.

عامٌ على MeToo#: إلى الرجال…

مجد كيّال 2018-11-23

يكمن النبل في أن تعترف بذنب جماعتك القامعة، وأن تكون مستعدّاً لأن تتنازل عن ذاتيّتك، وأن تتحمّل العقوبة باسم مجموعتك. أن تعلم أنّك يجب أن لا تسكت، ممنوعٌ أن تسكت،...

للكاتب نفسه

عامٌ على MeToo#: إلى الرجال…

مجد كيّال 2018-11-23

يكمن النبل في أن تعترف بذنب جماعتك القامعة، وأن تكون مستعدّاً لأن تتنازل عن ذاتيّتك، وأن تتحمّل العقوبة باسم مجموعتك. أن تعلم أنّك يجب أن لا تسكت، ممنوعٌ أن تسكت،...