العولمة الليبرالية: إضعاف الأنظمة والقرار الاقتصادي الوطني

  تمحورت العولمة والليبرالية الجديدة حول مسألتين أساسيتين: خارجية، من خلال فتح الحدود للبضائع والرساميل، وداخلية عبر الخصخصة وإخضاع كل المسائل الاقتصادية للسوق، أي إلغاء المساعدات والإعانات التي كانت تقدّمها الدولة (خبز، نفط...). على الصعيد العالمي، أدّت هذه الدينامية الجديدة إلى تحوّلات أساسية في البنى الاقتصادية والسياسية لمعظم الدول، ومنها بخاصة إضعاف أكثر الأنظمة،
2013-06-05

شبل سبع

أستاذ الاقتصاد في جامعة السوربون - باريس


شارك

 

تمحورت العولمة والليبرالية الجديدة حول مسألتين أساسيتين: خارجية، من خلال فتح الحدود للبضائع والرساميل، وداخلية عبر الخصخصة وإخضاع كل المسائل الاقتصادية للسوق، أي إلغاء المساعدات والإعانات التي كانت تقدّمها الدولة (خبز، نفط...). على الصعيد العالمي، أدّت هذه الدينامية الجديدة إلى تحوّلات أساسية في البنى الاقتصادية والسياسية لمعظم الدول، ومنها بخاصة إضعاف أكثر الأنظمة، وغلبة الاقتصاد على السياسة بشكل متفاوت.

الصعيد العالمي

أدّى انفتاح الاقتصاديات العالمية وإخضاعها للسوق إلى إضعاف أغلب الحكومات وارتهانها أكثر وأكثر للخارج. أما درجة ضعف تلك الأنظمة فهي متفاوتة بحسب حجم انخراطها في العولمة ونسبة تطوّرها الاقتصادي.
فقد أضعفت الدول المتطورة اقتصادياً قطاعها العام من خلال خصخصة الشركات، ومؤسسات القطاع العام في مجالات العلم والطب والبنية التحتية، بشكل كامل أو جزئي. أدّى كل ذلك الى انخفاض مداخيل الحكومات، وازدياد الديون العامة تحت وطأة الأزمات الاقتصادية، حتى أن نسب الدين العام بالنسبة للدخل القومي في أكثر الدول الصناعية وصلت إلى أعلى نسبة لها منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية: 300 في المئة في اليونان، و200 في المئة في اليابان، و140 في المئة في ايطاليا و120 في المئة في انكلترا... وكلها الى ازدياد. إذا أضفنا إلى ذلك أن قسماً كبيراً من هذا الدين معقود مع الخارج، فهمنا لماذا انتقل القرار الاقتصادي إلى خارج الدولة. فايرلندا واسبانيا والبرتغال وقبرص لم يعد لديها إلا سلطة محدودة جداً على ميزانية الدولة التي تخضع بالمقابل لمؤسسات خارجية (الترويكا وصندوق النقد الدولي)، ويجب أن تحصل على موافقة تلك المؤسسات قبل موافقة البرلمان الوطني!
أما بالنسبة للدول النامية، فقد بقي قسم منها "خارج التاريخ"، كأكثر الدول الافريقية. اما دول الـبريكس، Bricks، باستثناء الصين، فقد كانت لفترة طويلة عرضة لهجوم ليبرالي عليها، واستطاعت بعد فترة صعبة ان "تفرمل" الليبرالية، خاصة المالية منها، فتمكنت من المحافظة على سياسة اقتصادية محلية، وطنية، من دون مراكمة ديون كبيرة أو عجز كبير في الميزانية التجارية.
وقد ترافق ضعف الحكومات إجمالاً مع ازدياد نفوذ ثلاث دول كبرى، هي ألمانيا وروسيا والصين، على حساب فرنسا وانكلترا والولايات المتحدة، وأيضاً إلى ازدياد نفوذ الشركات المتعددة الجنسية على قرار كل الحكومات، الضعيفة منها أو القوية. لا تملك تلك الشركات المتعددة الجنسية التكنولوجيا فحسب، من غذائية وصناعية وكيميائية ومعلوماتية (والتي تحتاجها بشدة الدول النامية)، بل هي تقرر أيضاً، نتيجة العولمة، أين ستتموضع أو تنتج على الكرة الأرضية. فتستطيع ان تنقل معاملها من بلد إلى آخر كما يحلو لها. ومثال على ذلك أن شركة رينو للسيارات استطاعت ان تخفض أجور عمالها في فرنسا نفسها بنسبة 30 في المئة، عن طريق تهديدهم بنقل مصانعها إلى بلد آخر.

ظواهر ليست بلا تفسير

وأخيراً، ومع العولمة، أدّى ضعف القرار الوطني الاقتصادي إلى غلبة الاقتصاد على السياسة، واقتصاد القطاع الخاص على القطاع العام. واعتلى الأثرياء مناصب رؤساء الجمهورية والحكومة، كما في لبنان، ومصر مبارك، والمكسيك وأفغانستان وتايلند... أو ازداد نفوذهم في القرارات المتعلقة بالسياسة الحكومية، كحال فرنسا، وايطاليا الخ... أما المجتمع المدني وخاصة ذاك الممثل بالنقابات، فضعف دوره كثيراً، إذ ان عدوّه موجود في دول أخرى وليس على أرض الوطن، كتناقض مصالح العمال في فرنسا مع مصالح العمال الصينيين.

العالم العربي/الشرق الأوسط

لم تدخل الدول العربية غير النفطية العولمة من بابها العريض، بل حافظت أنظمتها على استقلالية نسبية عن الخارج، فلم تفتح أبوابها لاستثمار الرساميل الخارجية من دون قيد أو شرط، وحافظت على الضرائب الجمركية، وعلى الدعم والمعونات للمواد الأولية. بل إن أكثرها لم يدخل "منظمة التجارة العالمية"، لذلك لم تكن ديون الحكومات العربية مرتفعة، بل منخفضة جداً بالنسبة للدول الأخرى. وحتى في مصر، فلم يتعدّ الدين العام الـ40 في المئة من الدخل القومي. وباستثناء الأردن، لم تكن المساعدات الخارجية ذات حجم كبير.
حاول الغرب بقيادة انكلترا وفرنسا وبمساعدة قطر وتركيا، إغراء عدد من الأنظمة «بحلحلة» التقوقع الاقتصادي، فكان نجاحه محدوداً، ولم يتعد ذلك الاستيراد وفتح المصارف. والأمثلة على ذلك عديدة:
ـ استقبال القذافي مع خيمته في باحة الإليزيه العام 2007، واستقبال الأسد كضيف شرف في احتفالات 14 تموز 2008 في فرنسا، والإشادة الدائمة بالحليف الاستراتيجي حسني مبارك، عدا عن غض النظر عن ملك المغرب، وعن كل بطش الحكومة الجزائرية بالإسلاميين...، ومع ذلك بقيت كل الأنظمة العربية متوخية الحذر، إذ انها شعرت بأن انفتاحها ولو الجزئي ورفع مساعداتها عن المواد الأساسية ولو الجزئي قد بدأ يخسرها قاعدتها، خاصة أن الفساد يعمّها جميعاً، بالإضافة إلى ازدياد التفاوت المعيشي. ولكن الأرض اصبحت خصبة لقيام انتفاضات في كل المنطقة العربية.

الغاية تبرر الوسيلة

إذا كان هدف الدول أن تصبح سوقاً، فلا بدّ للغرب من أن يعتمد على طرف سياسي يستطيع أن يصنع التحولات المطلوبة. ولا أفضل من الإخوان لفعل ذلك، خاصة أن النموذج التركي استطاع أن يمزج الليبرالية الاقتصادية والدين الإسلامي. "الربيع العربي"، من هذه الزاوية، سرّع العولمة والليبرالية بالأدوات المحلية المتوفرة، سامحاً للقوى الاقتصادية الخارجية، من شركات متعددة الجنسية ودول خليجية وصندوق النقد الدولي، بأن تكون أكثر فعالية في الدول، خاصة مع الازدياد الهائل لديون الحكومات، وعجز ميزانيتها بعد الانتفاضات العربية.

الحرب الأهلية الدائمة

أدخلت مفاهيم جديدة على الخطاب السياسي، تبرر التخلي عن السيادة الوطنية ( = المجتمع الدولي)، وعن السياسة الاقتصادية (= صندوق النقد الدولي). فإذا كان الحكام الجدد متعلمين في الخارج أو اقاموا فيه لفترة طويلة، أو راكموا أموالهم في أو من الخارج، فالشارع الذي أوصلهم إلى السلطة محافظ، ولا علاقة له بالغرب وبالمفاهيم الليبرالية الجديدة. لذلك لم يؤد إضعاف الأنظمة أو انهيارها إلى فتح الأسواق وترسيخ الديموقراطية، بل أدى إلى انهيار الدول وتفتيتها إلى مدن (كمثل بنغازي/طرابلس)، ومناطق وأديان ومذاهب واثنيات... أما الديموقراطية الشكلية فسقفها الديموقراطية اللبنانية، أي الحرب الأهلية الدائمة، مبطنة كانت أم صريحة. أما المراهنة على أن حركات الإخوان تستطيع أن تحترم الديموقراطية وتقويها وتطبق في الوقت نفسه معايير الليبرالية فقد أثبت فشله حتى الآن، إذ لم يتمكن رئيس وزراء مصر مثلاً من أن يخصخص شركة الكتان، أو أن يرفع الدعم عن المواد الاساسية. وأول ما فعله الرئيس مرسي هو إعطاء نفسه صلاحيات استثنائية. أي ان إخوان مصر لم يتمكنوا حتى الآن من إرضاء أي من الخارج أو شعبهم، تماماً كالذين سبقوهم.

مِن "الحرية مِن" إلى "الحرية إلى"

من الواضح ان شعارات التحرر من الدكتاتورية لم تكن كافية، بل أوصلت إلى تفتت وفوضى بغياب المشاريع والأفكار التي تعطي الأمل للشعوب. ومن المؤكد أيضاً ان الدِين، مهما عظم، فهو لا يعطي كل الحلول للشعوب، خاصة إذا علّق الحكام مصيرهم "بالمجتمع الدولي" و"صندوق النقد الدولي"... لقد آن الأوان للمثقفين العرب، كي يصنعوا التاريخ أو على الأقل كي يدخلوه، أن يساهموا برسم طريق "الحرية إلى"، كمشروع حضاري يحمي كرامة الناس. وذلك يتم بالضرورة بالوحدة وبالاقتناع ان حاضر الغرب ليس بالتأكيد مستقبلنا، وان ماضينا لا يجب أن يكون معيقاً لمستقبل بلادنا.

 

 

مقالات من العالم

افتتاحية ؟

ليتني ترجمتُ مقاطع من كتابات ومقالات تعجبني، وأضعها جانباً لاستلهامها وللاستمتاع بها. تنبهتُ الآن إلى أن كل من اخترتهم هذا الأسبوع هن نساء. لا بأس: تمييز إيجابي يوازن قليلاً الإجحاف...

الصراع بين الولايات المتحدة الامريكية والصين: العولمة والعولمة الجديدة

تكنولوجيا الاتصالات (تقنيات شبكة الجيل الخامس)، وسباق الأسلحة المتطوّرة (منظومة صواريخ هايبرسونيك)، وممرات اقتصاد السوق العالمي (مشروع "طريق الحرير الجديد") هي الكلمات المفتاح أو الأبعاد الثلاثة التي تُحرّك الصراع بين...

للكاتب نفسه

"أميركا أولاً": قوانين لعبة جديدة

شبل سبع 2017-02-15

أعضاء إدارة ترامب مناهضون للمؤسسات القائمة، ولا يمثلون الأفكار المسيطرة في مختلف الدوائر المالية والنفطية والعسكرية وحتى الدينية. وإجمالا يسعى كل رئيس جمهوري لتعديل ميزان القوى العالمي.

من العولمة الليبرالية إلى القومية الحمائية

شبل سبع 2016-12-01

من المرجَّح أن يطبّق ترامب استراتيجية قائمة على "انعزالية/ مافياوية أكبر، وعلى حماية اقتصادية أقوى"، بعدما فشل أوباما بتحسين الميزان التجاري والدين العام الأميركي. مهمّة ترامب هذه ليست أسهل من...

الأرضية الحالية لعنف (بعض) المسلمين

شبل سبع 2016-09-07

منذ فترة من الزمن، لعلّ بداياتها تقع في أوائل الثمانينيات، أصبح الإسلام مرتبطاً بالعنف. حدث ذلك في الدول ذات الأكثرية المسلمة كما في الدول حيث هم أقلية. الدين بذاته لا...