تونس العاصمة من خلال حاناتها

عن حانات تونس العاصمة التي يؤرخ ازدهارها أو انمحاءها للتغييرات الاجتماعية والثقافية في البلاد

2018-01-25

فؤاد غربالي

باحث في علم الاجتماع، من تونس


شارك
بيرة سلتيا المحلية المعروفة في تونس

الحانات في تونس العاصمة ليست فقط مجرد أمكنة تعج بالسكارى وبـ"أصحاب المحنة" ــ وفق العبارة الشعبية المستعملة لتوصيف مرتادي الخمارات ــ بل هي  أماكن تعجّ بالمعنى ومسكونة بالذاكرة: ذاكرة الرواد الذين مرّوا بها، ولكن أيضاً الذاكرة الجماعية لأجيال مأخوذة بالحنين إلى عاصمة الخمسينات الستينات والسبعينات من القرن الفائت، حين كانت درجة الانفتاح الاجتماعي أوسع وعدد الحانات أكبر.

كان العديد من الشوارع التاريخية في العاصمة يعجّ بالحانات، مثل شارع الحبيب بورقيبة، شارع قرطاج، شارع باريس وساحة برشلونة... أغلب هذه الحانات لم تعد موجودة، وحلت محلها أماكن لبيع البيتزا والملابس المهربة من الصين ومقرات بعض البنوك. "حانة باريس" أخذ مكانها فرع "بنك الإسكان". كانت هذه الحانة جزءاً من سلسلة حانات شعبية تبدأ من هذا الشارع لتصل إلى ساحة  باستور. كما كان لبعض الأحياء الشعبية العتيقة حاناتها مثلما في حي باب الجديد.

يظهر تاريخ الحانات بوصفه جزءاً من تاريخ ''الهوامش الحضرية" المنسيّة، لكن الأعمال التاريخية والاتنوغرافية التي توثق تاريخ الحانات في تونس نادرة. هو تاريخ مطموس إذاً، ومعه ذاكرة أجيال كانت تصنع ــ من داخل الحانات ــ المقاومة اليومية للنظام الاجتماعي والسياسي والديني. فتلك ليست مجرد أمكنة لقاء، إنما هي أيضاً فضاءات سياسية بامتياز تُتيح هوامش للقول والتعبير الحرّ خارج دوائر الرقابة التي تفرضها السلطة السياسية. لهذا لم تتورّع ديكتاتورية الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي عن مراقبة الحانات التي كان يتجمع فيها معارضون للنظام، من طلاب ومناضلين يساريين. كما يخضع منح تراخيص الحانات إلى إجراءات معقدة تفرضها وزارة الداخلية، التي تستطيع إغلاقها في أي حين، ويمنع القانون المنظم الحانات من توريث الرخصة إذا توفي صاحبها الأصلي. ما كان سبباً لجعل الكثير من الحانات تُغلق نهائياً.

تقلص عدد الحانات في تونس العاصمة كثيراً مقارنة بما كان عليه الوضع في زمن الاستعمار الفرنسي أو في العقود الأولى للاستقلال، وذلك مقارنة بعدد السكان. فمع بداية القرن العشرين كان عدد تلك الحانات خمسون، ليرتفع في ثلاثينات القرن الماضي إلى 217 حانة ويصل سنة 1956 إلى 237 حانة وإلى أكثر من 300 بعيد الاستقلال. تدحرج هذا الرقم ليصل الى أقل من ثلاثين حانة في عاصمة فيها أكثر من ثلاثة ملايين ساكن، وتقدمها الحكومة بوصفها مدينة سياحية. ويمنع فتح الحانات يوم الجمعة ولا يرخص إلا للقليل منها، ممّا يجعلها مكتظة على نحو لا يُطاق.

مع تآكل الفضاء المديني وارتفاع منسوب العنف وانهيار الطبقة المتوسطة، صارت الحانات مجرد ملاذ لفئات اجتماعية هاربة من جحيم الخوف من المستقبل

تدير الحكومة ''سوق الخمر" وفق منطقين:
الأول يرتكز الى مفهوم أمني ينظر الى الحانات بوصفها أماكن للتجمع لا يجب أن تخرج عن السيطرة.
أمّا الثاني فهو يتأسس على نوع من النفاق الذي تحاول بموجبه الدولة ''احترام المشاعر الدينية" لعامّة الشعب باعتبار أن غالبيته من المسلمين.
إلا أن هناك السكارى أنفسهم، المتزايدة أعدادهم يوماً بعد يوم، في الوقت الذي تَقلّص فيه عدد الحانات إضافة إلى زيادات الضرائب على مستهلكي الخمور بحجة دعم الميزانية.

الحانات أمكنة لبناء وتقسيم الهويات

أغلب رواد الحانات الشعبية في العاصمة من الرجال، ما يجعل منها فضاءات ذكورية بامتياز، هذا عدا عن حضور عاملات الجنس اللواتي يشكّلن جزءا من هذا العالم.

تتراوح أعمار أغلبية رواد الحانات بين 30 و50 سنة، وهي الفئة العمرية ذات الاندماج الاقتصادي النسبي، في حين يتقلص عدد كبار السنّ الذين يغادرون هذا المناخ الاجتماعي لأنه لم يعد يُناسبهم أو لأنهم توقفوا عن الشرب كفعل ''توبة إلى الله''.  

والحانات في تونس مقسّمة عمرياً وطبقياً، فحانات الكهول ليست هي نفسها حانات الشباب والحانات التي ترتادها الطبقة المتوسطة مختلفة عن تلك التي يرتادها مهمشو المدينة من عمال وغيرهم...

يظهر تاريخ الحانات في كل مكان بوصفه جزءاً من تاريخ ''الهوامش الحضرية" المنسيّة. لكن الأعمال التاريخية والاتنوغرافية التي توثقه في تونس نادرة. هو تاريخ مطموس إذاً، ومعه ذاكرة أجيال كانت تصنع ــ من داخل الحانات ــ المقاومة اليومية للنظام الاجتماعي والسياسي والديني.

قد تكون الحدود بين هذه المجموعات غير واضحة وهلامية، لكن الحانة تعكس التفاوت والتراتبيّة الموجودة داخل الفضاء المديني. تضع بعض الحانات أمام أبوابها حراساً ليحددوا من يُسمح له بالدخول، وهي آلية انتقاء وفرز إجتماعي تُجبر الكثير من الشبان إلى اللجوء لشراء الخمور من نقاط البيع الأقل تكلفة وشربها داخل أحيائهم أو على شاطئ البحر. كما يلجأ الكثير منهم إلى ''بائعي الخمر خلسة" وذلك لعوامل تتعلق بقرب المسافة وتجنب مراقبة الشرطة التي عادة ما تتصيّد "المنحرفين".

يستهلك معظم رواد الحانات في تونس البيرة المحلية المعروفة واسمها "سلتيا"، في حين أن الخمور المستوردة نادراً ما تُستهلك في الحانات الشعبية نظرا لغلاء أسعارها. سلتيا هي المشروب الوطني الذي يوحّد الجميع.

نحن هنا لنسكر...

الدخول إلى الحانة في تونس لا يعني الدخول لشرب "قارورة واحدة" أو إثنين لمجرد إزالة القلق، بل يعني "أننا هنا لنسكر" ما دام لدينا ما يكفي لكي ندفع للنادل. فتقاليد السكر في تونس، خاصة لدى الشباب، تعطي الميزة لمن يستهلك أكثر. بالتالي الحانة هي مكان لتأكيد الذات، خاصة بالنسبة لشباب يشعر بالإحباط والاقصاء من فضاءات التعبير، وهي إبراز لنوع من الرجولة. والحانة تتيح نوعاً من ''الإفلات الرمزي'' والمؤقت من سلطة العائلة بالنسبة للشباب ومن الضغوط الزوجية بالنسبة للكهول والمتزوجين.


اقرأ أيضاً: فضاءات القاهرة بين الارتقاء والعسكرة


تدخل الحانة رمزيّاً في تعارض وصراع مع المؤسسة العائلية، فنادراَ ما يلتقي الآباء والأبناء في الحانة. كما أنّ عودة المتزوجين إلى البيت في وقت متأخر في حالة سكر تعني رسالة في سياق التمثلات السائدة مفادها رفض الانضباط للمعايير العائلية. لهذا يتوقف البعض عن شرب الخمر بعد الزواج أو عند إنجاب الأطفال. ولأن الحانة تبدو مؤسسة منفلتة، لذا تصبح الرقابة عليها مشدّدة سواء في تحديد توقيت إغلاقها (كثير من حانات العاصمة تغلق بين الساعة التاسعة والعاشرة ليلاً) أو من ناحية الوصم الإجتماعي الذي يتعرض له مستهلكو الخمور من قبل غير المستهلكين.

حانات العاصمة وأقنعتها

تبدو حانات العاصمة عالماً ثرياً بالدلالات السوسيولوجية التي من الممكن أن تُساعد في فهم تحولات المجتمع التونسي الحالي الذي "لا يمكن أن يفهم إلا عبر هوامشه وكواليسه" والحانة في تونس هي فضاء الهامش الإجتماعي، تتشكل فيه روابط اجتماعية جديدة في ظلّ نظام حضري جديد يُطالب فيه الجميع بحقّهم في المدينة والحقً في الولوج إلى فضاء الاستهلاك المديني.

يبدو أنّ الحانات في تونس قد فقدت ألقها القديم كفضاءات للاحتجاج السياسي، وأماكن تتيح مساحةً من الحرية للنخب المثقفة، فكثير من الشعراء والفنانين الكبار مروا في حانات العاصمة ومنحوها شيئاً من أسمائهم وطقوسهم اليومية وكتبوا عنها.

اليوم مع تآكل الفضاء المديني وارتفاع منسوب العنف وانهيار الطبقة المتوسطة، تغدو الحانات مجرد ملاذ لفئات اجتماعية هاربة من جحيم الخوف من المستقبل. صار السكر تعبيراً عن حالة ''احتقان اجتماعي"، وفي الوقت نفسه آلية ''مقاومة تحتيّة'' تتيحها الحانة للفئات المقموعة اقتصادياً واجتماعياً، كإمكانية لإضفاء معنى على الوجود الشخصي.

لا تمتلك الحكومة التي تقدم تونس كمدينة سياحة عالمية مخططاً لجعل الحانات جزءا من المشهد الحضري، وليس ثمة إرادة لنوع من التقدير التراثي للحانات القديمة التي استطاعت أن تصمد بوصفها جزءا من تاريخ العاصمة وأحد مكونات هويتها المدينية.


اقرأ أيضاً: طبقات المقاهي في المغرب ووظائفها


مقالات من تونس

للكاتب نفسه

تونس: عن طقوس العبور وقصص المرحّلين

سيرة حرّاقين من تونس الى ايطاليا، مروية على ألسنتهم: السعي للعبور، والبحر، ومعسكرات الإيواء ثم إعادة الترحيل. رواية للمعنى الشخصي والنفسي للمغامرة، يكشف بقوة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وما يتغير...