تونس: يناير يلد يناير

منذ مطلع 2018، وعلى عادة كل يناير، بدأت الاحتجاجات في الشارع التونسي. هنا قراءة للحدث الجاري وفرضيات. ولكن لا يمكن الجزم بما سيحدث: كلها قراءات قد يكذبها الواقع ويختار سيناريوهات أخرى...

2018-01-17

شارك
عودة الاحتجاجات إلى الشارع.. (أ.ف.ب)

"تحتفل تونس بالذكرى السابعة لثورة الرابع عشر من يناير 2011". هذه الجملة غير دقيقة. أولاً جزء فقط من التونسيين يحتفي بهذا الحدث، والآخرون يعادونه لأنه أضر بمصالحهم أو أفسد عليهم حالة "الاستقرار والأمن" الممزوجة بالذل والخنوع التي كانوا ينعمون بها. ثانياً، حتى الذين يفخرون بما حدث في 2011 لا يتفقون في التوصيف: هل هي انتفاضة أم ثورة؟ لكن هذه تفاصيل. ثالثاً، الاحتفال بذكرى حدثٍ ما يعني غالباً أنه كتمل، والحال أن الثورة في تونس لم تنتصر نهائياً ولم تنهزم نهائياً وما زالت مستمرة بعدة أشكال، حتى وإن خفت صوتها وبهت لونها.

كل شتاء تقريباً - وفي كانون الثاني/ يناير تحديداً - ينتفض جزء من التونسيين ويعودون الى الشارع. و2018 لم يشذ عن القاعدة: أخبار الاحتجاجات والمواجهات في تونس تتصدر منذ عدة أيام عناوين الأخبار في وسائل الإعلام المحلية والدولية. ما الذي يحدث.. لماذا يحدث.. ما الذي سيحدث؟

 

صدامات ليلية ومظاهرات نهارية..

 

منذ الأيام الأولى للسنة الجديدة بدأت الصدامات الليلية بين الشباب و قوات البوليس في بعض الأحياء الشعبية والمناطق المهمشة. هذه المواجهات ذات الخلفية الاجتماعية تميزت بعنفها وحدتها، كما أنها ترافقت أحياناً مع أعمال نهب وتخريب لبعض المؤسسات الخاصة والعمومية. تزامنت الصدامات الليلية مع حملة سياسية أطلقها شباب "الجبهة الشعبية" (وهو ائتلاف أحزاب يسارية وعروبية) وأسموها "فاش تستناو" أي "ماذا تنتظرون؟" بالعامية التونسية. بدأت الحملة بتوزيع مناشير تدعو الشعب الى التحرك والتصدي لقانون المالية (ميزانية 2018) الذي يتضمّن حزمة إجراءات تقشفية وزيادات في أسعار الخدمات، بالإضافة الى الترفيع في قيمة الضرائب والأداءات، مما سيؤدي إلى غلاء الأسعار أكثر فأكثر. نُظِّمت أيضا مظاهرات نهارية في عدة مدن تونسية، لكن عدد المتظاهرين بقي محدوداً جداً على الرغم من أن أغلب الناس يتذمرون من الاوضاع.
ألقت الشرطة القبض على أكثر من 700 شخص، أغلبهم مراهقون وشباب من المناطق التي شهدت مواجهات عنيفة، ووجهت لهم تهم خطيرة كالاعتداء على أمنيين وحيازة أسلحة بيضاء وزجاجات حارقة (مولوتوف) وسرقة محلات تجارية وتخريب منشآت عمومية.. كما اعتقل عدة نشطاء من الجبهة الشعبية بتهمة التحريض. يبدو أن الأجهزة الأمنية أصبحت تلجأ لتكتيكات أذكى من تلك التي كانت تنتهجها زمن الديكتاتورية، فهي تقمع بحدة الاحتجاجات الليلية في المناطق المهمشة وتعول على تركيز الإعلام على حوادث النهب والحرق والتخريب لكي تخوف غالبية الشعب وتضمن سكوته وحتى مباركته لما تقوم به. أما المظاهرات والتحركات النهارية التي يقوم بها شباب وسط المدن ومن ورائهم أحزاب معارضة فهي تتعامل معها بطريقة أكثر سلاسة وبلا عنف، حتى تظهر أن حق التظاهر والاحتجاج مكفول في تونس الديمقراطية.

 

تقمع الأجهزة الأمنية بحدة الاحتجاجات الليلية، أما المظاهرات النهارية التي يقوم بها شباب وسط المدن ومن ورائهم أحزاب معارضة فتتعامل معها بلا عنف، حتى تظهر أن حق التظاهر مكفول في تونس الديمقراطية..

 

أما خطاب الائتلاف الحاكم فلا يختلف كثيراً عن ممارسات البوليس. فمن جهة هناك تركيز كبير على مسألة الحرق والتخريب رغم انها هامشية جداً، وهناك أيضاً استهداف للجبهة الشعبية وتحميلها المسؤولية عن الأحداث، على الرغم من أن السلطة تعلم علم اليقين أن اليسار في تونس لم يعد قادراً على تحريك الشارع أو قيادة حراك شعبي كبير.
رئيس الحكومة ووزرائه والناطقون باسمه يعلمون تماماً انه سيكون من الغباء عدم الاعتراف بلاشعبية قانون المالية الجديد، لذا تجدهم يقرّون بأنه قاسٍ وأنهم اضطروا اليه اضطراراً وأن على جميع التونسيين أن يقفوا لبلدهم ويضحوا حتى تتجاوز محنتها وتصل الى بر الأمان. تراهن السلطة على الوقت فهي تعرف أن التحركات الاجتماعية في تونس قصيرة النفس بصفة عامة، خصوصاً عندما لا تجد من يجذِّرها ويوسع  رقعة انتشارها.

 

البعد الاجتماعي - الاقتصادي يعود للواجهة..

 

تعلمنا في حصص مادة التاريخ انه عند تحليل أزمة ما فيجب أن ندرس الأسباب العميقة والأسباب المباشرة، أي الحدث القادح. قانون المالية الجديد كان القطرة التي أفاضت الكأس أو الحدث القادح الذي أشعل المواجهات ولكنه ليس السبب العميق. الأسباب الحقيقية أقدم وأكبر من مجرد زيادات في الضرائب وغلاء في الأسعار. عندما انتفض التونسيون في أواخر 2010 وبداية 2011، كانت أغلب مطالبهم ذات بعد اقتصادي يتعلق أساساً بالفقر والبطالة والفساد والمحسوبية واختلال نسق التنمية بين جهات البلاد والاهتراء المتواصل للطبقة الوسطى. المطالب المتعلقة بالحريات جاءت بعد سقوط عشرات القتلى والجرحى وبعد التحاق الأحزاب السياسية والنقابات بالحراك الشعبي. علق الكثير من التونسيين آمالاً كبيرة على الثورة وتأملوا في غد أفضل وتقسيم أكثر عدلاً للثروات.

الأشهر الأولى التي تلت هروب الديكتاتور، طغى في الثورة معجمان: الأول حقوقي يتعلق بتصفية الإرث الديكتاتوري، والثاني أيديولوجي هوياتي يتعلق بالعلمانية والإسلام. بقيت المعارك الاقتصادية والاجتماعية مؤجلة. الانتخابات الأولى أفرزت فوز قوى محافظة وتحوّل الصراع في تونس إلى معركة الحفاظ على النمط المجتمعي "الحداثي" والحريات الفردية. وهكذا استمرت المعارك الاقتصادية والاجتماعية مؤجلة. مع بداية موجة الإرهاب والاغتيالات السياسية (2012/ 2013) أصبح الأمن هو الأولوية. وعادت المعركة الاقتصادية الاجتماعية مؤجلة للمرة الألف. انتخابات 2014 مثلت خيبة أخرى للفقراء، فنتائجها أفرزت تحالفاً يمينياً حاكماً تكوّن أساساً من رجالات النظام القديم الذين أنتجوا نظاماً اقتصادياً فاشلاً ومن الإسلاميين الذي ساروا على المسار الفاشل نفسه.


إقرأ أيضاً: الاحتجاجات الاجتماعية في تونس: "حركة بلا بركة"؟


لم تكتفِ الحكومات المتعاقبة بعد الثورة بتجاهل المطالب الاجتماعية - الاقتصادية، بل عمقت أزمة الطبقات الفقيرة والمتوسطة عبر إنسحابها من مراقبة وتعديل السوق وعبر ابرام اتفاقيات شراكة غير ندية مع دول كبرى من دون أي حماية للاقتصاد الوطني، وعبر اللجوء للتداين المفرط من المنظمات والصناديق المالية الدولية مقابل خضوع كامل لبرامجها "الإصلاحية": التخفيض في قيمة الدينار، وقف التوظيف في القطاع العمومي، التقليص في دعم المواد الغذائية، خصخصة مؤسسات عمومية، رفع أسعار الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وغاز. هذا الاجحاف في حق الفقراء قابله ود وعطاء للأثرياء عبر تمرير قانون مصالحة يشمل رجال أعمال وموظفين كبار فاسدين، وعبر التساهل مع التهرب الضريبي. وسط كل هذا كان من الطبيعي أن يعود الاجتماعي - الاقتصادي للواجهة. فالتعددية الحزبية وحرية التعبير لم تعد تكفي التونسي الفقير وهي لا تغنيه من جوع ولا تأمنه من خوف.

 

إلى أين تذهب تونس؟

 

ما قبل "يناير 2011" لا يشبه ما بعده. الاتفاق التاريخي بين مختلف مكونات الشعب على ضرورة تغيير شكل النظام من الصعب بل من المستحيل أن يتكرر. لن تكون انتفاضات اجتماعية وهبّات شعبية أخرى "عابرة" للطبقات والجهات. البرجوازية التي كانت تشتكي من مافيوزية نظام بن علي وبيروقراطية الدولة وحتى من بقايا السياسات الاجتماعية الوطنية أصبحت اليوم طليقة اليد وبات لها نفوذ يصنع الساسة والسياسات. ستقاتل هذه الطبقة من أجل مصالحها بكل الوسائل. الطبقات الوسطى لم تحقق مكاسب واهترأت أكثر فأكثر، لكن خوفها المزمن من "عدم الاستقرار" سيدفعها الى الصبر أكثر والى محاولة إيجاد حلول و"أبواب رزق" أخرى تمكّنها من دفع أبنائها الى المدارس والمعاهد والجامعات "النموذجية" والخاصة حتى تضمن الارتقاء الاجتماعي.

 

عمقت الحكومات المتعاقبة بعد الثورة أزمة الطبقات الفقيرة والمتوسطة عبر إنسحابها من مراقبة وتعديل السوق، وعبر اتفاقيات شراكة غير ندية مع دول كبرى دون أي حماية للاقتصاد الوطني، وعبر اللجوء للتداين المفرط من المنظمات والصناديق المالية الدولية مقابل خضوع كامل لبرامجها "الإصلاحية"..

 

وحدهم الفقراء - كالعادة - ليس لديهم ما يخسرونه، لكن هذا لا يعني أنهم سيثورون بالضرورة. خيبات الأمل المتكررة وانعدام الثقة بمختلف الأحزاب السياسية بالإضافة الى انشغالهم المضني بتحصيل لقمة العيش.. كلها ستجعل أغلبهم لا يبالي.
يعني ذلك أن جزءاً فقط من الفقراء، وبدرجة أقل من الطبقات الوسطى، مستعد للانتفاض من جديد. احتجاجات يناير الحالية في طريقها الى الانحسار كما انحسرت من قبلها احتجاجات يناير 2017، لكن نسق التحركات الاجتماعية في تصاعد مستمر. اذاً الى أين تذهب الأمور في تونس؟


اقرأ أيضاً: تونس وأوروبا.. أشراك "الشراكة"


الفرضيات متعددة:
سيناريو رقم 1: أن يتحول تنفيس الغضب الى نشاط بركاني تتسارع حدته مع تسارع حدة السياسات الاقتصادية اللاشعبية للحكومات الحالية واللاحقة. في هذه الحالة قد تجد الطبقة الوسطى نفسها مجبرة على الانتفاض لأنها لن تعود قادرة على الصبر ولأن شبح الفقر سيصبح حقيقة ملموسة. اذا ما انفجر البركان فإنه لن تكون هناك ثورة سلمية وياسمين هذه المرة.
سيناريو رقم 2: ان تستمر الحكومات في سياساتها الفاشلة وأن يستمر نسق الإفقار ونسق الاحتجاجات قصيرة النفس لكن دون مسار ثوري وقيادة. في هذه الحالة ستختفي الطبقة الوسطى تدريجياً وسيتكدس الفقراء في "غيتوهات" طبقية شبه منفصلة عن الدولة، مع تفاقم للجريمة والتطرف الديني. الأقلية الغنية ستبني مناطقها الخضراء المحصنة وستواصل التحكم في مصير البلاد عبر سياسيين فاسدين.
سيناريو رقم 3: أن تفهم الحكومات الرسالة وتعدل سياساتها وتسلك منهجاً أكثر عدالة ووطنية وسيادة يحفظ "السلم الأهلي" و"الانتقال الديمقراطي". هذا للأسف هو الإحتمال الأضعف.
لا يمكن الجزم بما سيحدث، كلها قراءات قد يكذبها الواقع ويختار سيناريوهات أخرى. لننتظر ونرى ما قد يحدث ذات يناير جديد..


اقرأ أيضاً: تونس وصندوق النقد.. الطريق لتفكيك دولة الرعاية الاجتماعية


مقالات من تونس

للكاتب نفسه