"غزّة المعلّقة": بين التمكين أو التراجع!

فيما تمعن إسرائيل ومعها حلفائها في إحكام السيطرة على كل فلسطين، تبدو غزّة "معلّقة" أمام الجنوح الفلسطيني للانقسام، فيما أبجديات التصدي للاستعمار تتطلب الوصول الى أرضية توافق وطني..
2017-12-13

المقداد جميل

محامي وكاتب من غزة


شارك
ريم يوسف - سوريا

تبدو حالة قطاع غزّة حالياً فريدة في تاريخ الأزمات المتلاحقة على القطاع المحاصر، إذ قطع الفلسطينيّون شوطًا مهماً (كما يبدو إعلامياً) في سبيل إنهاء الانقسام، لكنّه وصل كما توقّع الكثيرون، من غير المتفائلين، إلى عقبة كُبرى لا يُعرف حلّها إلى الآن، والتي تبدو ظاهرياً جديدة وغير مسبوقة. فالتصريحات المتلاحقة لطرفي الانقسام ــ واللذان لا يزالان طرفان حقاً على الرغم من تأكيدهما مراراً أنّ هذا المسمّى انتهى منذ 12 تشرين أول / أكتوبر الماضي مع بدء المفاوضات ــ هذه التصريحات لا تُبيّن صحة التأكيدات المذكورة، فلا يزال كلاهما يرمي بثقل الأزمة على الآخر ويُلقي بالتهم عليه. وعلى الرغم من ذلك، يظلّ التأكيد ملحوقًا بهذه التصريحات: أنّه "لا بد من تحقيق المصالحة وعدم الرجعة إلى طريق الانقسام".

 

تمكين الحكومة

 

تظهر الأزمة الحاليّة تحت تسمية "التمكين والتسليم"، أي مدى تمكين حكومة الوفاق الوطني المشكّلة عام 2014 عقب اتفاق مصالحة سابق، من العمل في قطاع غزّة بشكلٍ كامل، بدلاً عن أجهزة وإدارات حماس السابقة التي حكمت القطاع طوال الأعوام الماضية. وتشهد الساحة الإعلامية اتهاماتٍ من كلا الطرفين حول تعطيل تمكين الحكومة. ولم يجرِ توضيح ماهية هذا التسليم أو التمكين، والذي يبقى عائقاً أمام تقدم المصالحة المطلوبة.

 

تظهر الأزمة الحاليّة تحت تسمية قضيّة "التمكين والتسليم"، أي مدى تمكين حكومة الوفاق الوطني المشكّلة عام 2014 عقب اتفاق مصالحة سابق، من العمل في قطاع غزّة بشكلٍ كامل، بدلاً عن أجهزة وإدارات حماس السابقة التي حكمت القطاع طوال الأعوام الماضية

 

خلال شهر تشرين ثاني / نوفمبر الماضي، جرى وبشكلٍ إعلامي ورسمي، تسليم كافة الوزارات إلى الحكومة الفلسطينيّة، حيث حضر كل وزير إلى مقرّ وزارته واستقبله موظفو الوزارة. تمً الترحيب بالوزراء، وأشاد الجميع بسلاسة التسليم والتعاون الكبير من قبل الأطراف الإدارية في مؤسسات غزّة. إلّا أنّ الحال لم يدُم طويلاً حتى ظهر العكس.
تقول الحكومة الفلسطينيّة أنها لم تتسلّم مهامها بشكلٍ كامل في قطاع غزّة، فيما تردّ حركة "حماس" أنها سلّمت كافة المهام ولم يعُد لها أية سلطة على العاملين في مؤسسات غزّة. ويبدو في هذه النقطة "الشيطان" الكامن دائماً في التفاصيل والذي طالما تخوّف منه أهل القطاع الذين استغربوا السهولة والسرعة التي طلعت عملية التفاهم بين الحركتين المتخاصمتين منذ أحد عشر عاماً حول القضايا ذاتها.
يُفترض في تمكين الحكومة أن يترافق مع آلية واضحة يجري العمل عليها في كلّ وزارة وهيئة، يتم خلالها تسليم المهام في إطار عمل هذه الوزارة، بما فيها الملفات الكاملة والتفاصيل حول التطورات الأخيرة خلال السنوات السابقة التي غاب فيها الوزير أو رئيس الهيئة المذكورة. وهذا الأمر بطبيعة الحال لا يمكن أن ينتهي خلال يوم أو اثنين، أو بمجرّد لقاء الوزير مع وكيل وزارته في المقرّ. حركة "حماس" قالت أنها سلّمت الحكومة مهامها فقد جعلت من كلّ "وكيل وزارة" يأتمر إلى وزيرها.
تتشكّل المؤسسة العامة في قطاع غزّة من موظفين وعناصر في غالبها تتبع لحركة "حماس" التي عيّنتهم عقب توقف الموظفين التابعين للسلطة الفلسطينيّة عن عملهم، بعد عام 2007 حين سيطرت الحركة على القطاع عسكرياً. حاولت السلطة حينها فرض العصيان وشلّ عمل المؤسسات الرسميّة في القطاع من خلال وقف عمل الموظفين، إلّا أنّ "حماس" أصرّت على مواصلة سيطرتها، وشكّلت خلال الأعوام المنقضية مذاك هيكلية كبيرة وواسعة في كافة الوزارات، ضمّت موظفين يتبعون لها.


اقرأ أيضاً: الطور الثاني من حصار غزة.. أكثر تحديداً وفتكاً


وعادةً ما يكون موظفو "حماس" العاملين في قطاع غزّة من أولئك الذين جرى اختيارهم لالتزامهم وطاعتهم في الهيئة الدعوية للحركة أو المقرّبين منها، وبالتالي فإنّ هيكلية المؤسسات في القطاع حتى الآن هي هيكلية "حمساوية" بشكلٍ كامل، فيصعُب على العاملين في مؤسسات القطاع أن يقبلوا أخذ الأمر والسلطة العليا من وزير يتبع للسلطة الفلسطينية، "الفتحاوية" توجهاً.
هذه التصريحات والمظاهر الشكلية لتسليم الإدارات والمهام تبخّرت إذاً أمام مجموعة من المشاكل التي لم تستطِع أيّة جهة إخفاءها عن الإعلام، وظهرت جليةً عندما فشلت وزيرة السياحة والآثار الفلسطينية في تنفيذ أوامرها بوقف التجريف في مكان "تل السكن" الأثري جنوب مدينة غزّة، والذي تم تجريفه سابقًا تحت نظر حكومة "حماس".
أخذت قضية "تل السكن" صدىً واسعاً قبل توقيع اتفاق المصالحة بين الحركتين في القاهرة، واستمرّت عقب ذلك، فانطلقت المطالبات الشعبية والوطنية للوزيرة التي "تسلّمت مهامها رسمياً أمام الإعلام"، بأن تبدأ بتنفيذ سلطاتها بوقف "الاعتداء على المكان الأثري". آنذاك أطلقت الوزيرة أوامرها بوقف التجريف وأعلنت قرارها إعلامياً، إلّا أنّ الأمر لم يُنفذ على الأرض، فظهر بشكلٍ اضح مدى "شكلية التسليم" الذي أعلن عنه الطرفان.

 

قضية الموظفين

 

لم تكن "حماس" لتتخلى عن حكمها لقطاع غزّة لولا العجز المالي الذي عانت منه خلال الفترة الماضية. وأكثر الأعباء على الحركة كانت تتمثل بدفع رواتب أكثر 40 ألف موظف عيّنتهم خلال أعوام حكمها للقطاع. وهم من الموظفين المدنيين والعسكريين. اعتمدت الحركة خلال السنوات الماضية على عدة طرق في دفع هذه الرواتب، منها جباية الضرائب في القطاع، التي ارتفعت بشكلٍ كبير على سكّانه بالمقارنة مع أي عهدٍ سابق، إضافةً لطرق متفرّقة من خلال منح مستمرّة من دول داعمة مثل قطر وتركيا.
انعكست الظروف الصعبة التي مرّت بها الحركة مؤخراً على إدارتها للقطاع، فلم تعد جباية الضرائب كافية لسداد الاحتياجات الماليّة للحكم، ما دفع بها للذهاب للمصالحة، خصوصاً بعد العقوبات التي فرضها رئيس السلطة محمود عباس على غزّة منذ عدة أشهر، ما قلل من محصول الضرائب وأوقف عجلة الاقتصاد في القطاع بشكلٍ شبه كامل. كلّ ذلك تقاطع مع الأزمة الإقليميّة التي تمثّلت بزيادة الخناق على الحركة ومنع قادتها من الخروج من القطاع لاستجلاب أي دعم خارجي، وتوقف الجانب القطري عن تمويله المباشر للموظفين، وتحوّله إلى الدفع رسمياً عن طريق السلطة، وذلك لمشاريع استثمارية وإسكانيّة.

 

التصريحات والمظاهر الشكلية لتسليم الإدارات والمهام تبخّرت أمام مجموعة من المشاكل التي لم تستطِع أيّة جهة إخفاءها عن الإعلام، وظهرت جليةً عندما فشلت وزيرة السياحة والآثار الفلسطينية في تنفيذ أوامرها بوقف التجريف في مكان "تل السكن" الأثري جنوب مدينة غزّة، والذي تم تجريفه سابقاً تحت نظر حكومة "حماس".

 

تقف السلطة الفلسطينية في قضيّة الموظفين "الحمساويين" أمام خيارين، الأوّل أنها اعتبرتهم طويلاً موظفين غير شرعيين ولم تعترِف بهم ورفضت بشكلٍ قاطع دفع رواتبهم باعتبارهم أحد نتائج "الانقلاب"، والثاني قبولها بهؤلاء الموظفين تنازلاً من أجل تنفيذ المصالحة، وفي سبيل "تحقيق مصلحة الشعب". وتقرر  اختيار هذا التنازل والموافقة على دفع رواتب الموظفين، المدنيين منهم، لمدة يمكن خلالها إيجاد حل شامل للقضيّة التي تشمل كافة الموظفين العاملين بقطاع غزّة، سواء كانوا ممن عيّنتهم حماس أو فتح.
نصّت اتفاقات المصالحة على تشكيل لجنة إداريّة وقانونيّة تعمل على دمج الموظفين السابقين الذين عيّنتهم السلطة مع الحاليين الذين عيّنتهم حماس. وجرى الاتفاق في القاهرة في شهر تشرين أول/ اكتوبر الماضي على أن تدفع السلطة رواتب موظفي حماس الى ان يتم انتهاء عمل اللجنة. تقبل السلطة الفلسطينية بهذا الحل "على مضض"، فلا ترضى بدفع رواتبهم من جيبها الخاصّ، إنما من خلال طرق عدة عوّلت عليها حين وافقت على الأمر: أولاً قطر، الداعم الأساسي السابق لهؤلاء الموظفين. لكنّ الإمارة الخليجية رفضت، وقال سفيرها أنّ "قطر توقفت عن دفع رواتب الموظفين في غزّة، وعلى الحكومة تحمّل مسؤولياتها تجاههم"، ثانياً سويسرا، وهي الدولة التي سعت لإيجاد حل للقضية في وقتٍ سابق من خلال ما سُمي بـ "الورقة السويسرية" والتي رفضتها أغلب الأطراف الفلسطينيّة سابقاً. وأما الحل الثالث الذي فشل أيضاً، فهو عن طريق السعودية، التي ربطت إمكانية دفع رواتب هؤلاء "الحمساويين" بإعلان الحركة عن قطع علاقاتها بشكلٍ كامل مع إيران والتخلي عنها، وهذا الأمر مستحيل في ظلّ توجهاتها الحالية.

 

خلاصة

 

تبدو غزّة "معلّقة" أمام عدة نزوات لأطراف هذا الانقسام، تُعيد كل واحدة لهم الحنين إلى الاستفراد بالقرار السياسي كلٌ في مكانه (حماس في غزّة، والسلطة في الضفة). ولا يبدو الحلّ واضحاً، إلّا إذا دفع الراعي المصري بالطرفين للتنازل بشكلٍ أكبر عن بعض الجوانب، كما فعل أكثر من مرّة، وهو الأمر الذي غالباً ما يحصل في اللحظات الأخيرة قبل انهيار الاتفاق.
المعضلة أنّ الاتفاق لم يقدم مفهوماً واضحاً لماهيّة "التمكين" وآليته، وهو الذي يتطلب أن يضع التزاماتٍ على كلا الطرفين وفق جدولٍ زمنيّ محدد، أبعد من مجرّد التوقيع على عدة نقاط في ورقة الاتفاق التي جرى توقيعها بعد يومين فقط من الجلسات. وهذا تكرر أكثر من مرّة، وأنتج فشلاً في نهايته. ثم أنّ قضية الموظفين ليست بالصعبة إذا قبلت السلطة التنازل والاحتكام للاتفاق الذي رُعيَ مصرياً بأن تدفع رواتب هؤلاء، إذ تزيل الحجّة من يد حماس التي ربطت في أكثر من مرّة الأمر بمدى قبول السلطة بهؤلاء الموظفين. الحركة وإن تخلّت عن حكمها للقطاع، فإنها لن تقبل بالظهور أمام العالم بالراعي الذي رمى قطيعه أمام أول منعطف ظهر له، وتحتاج لضمانة حقيقيّة تؤمن مستقبلهم، ويكون جزءاً منه تعيين نصفهم في السلطة بشكلٍ رسمي، على أساس أنهم أنقذوا القطاع خلال السنوات الماضية وكانوا القائمين على هذه المؤسسات والعارفين بها.


اقرأ أيضاً: غزّة بعيون جديدة.. قراءة في الصلة بين الاقتصاد والسياسة


مقالات من غزة

من النقب إلى الجليل.. كيف صُنع الصمت؟

مجد كيّال | 2018-06-07

عوامل اجتماعيّة وسياسيّة حالت دون تحرّك شعبيّ واسع في الداخل الفلسطينيّ لمساندة قطاع غزّة. أضيفت فوق ذلك، عوامل ضيّقة صغيرة عند القيادة السياسيّة التقليديّة (أهمها الكسل)، ألقت بردّ الفعل السياسيّ...

أزعجناكم؟ لا اعتذار!

نهلة الشهال | 2018-05-17

قرّر الغَزّيون أن حيواتهم، دمائهم، هي الأداة الوحيدة المتاحة لهم لكسر المعادلة الساحقة التي تُطْبق عليهم، أو هزّها وخمشها في أقل تعديل، ومحاولة جعلها تضطرب أو تتباطأ إن لم تتعرقل...

للكاتب نفسه

غزة.. البحر ينقضّ على الناس

علاوة على الحصار المتعدد المطبق على قطاع غزة، بعد الحروب المريعة عليها، فها متنفسها الوحيد، البحر، يصاب بتلوث خطير يعطل اللجوء اليه للسباحة وللصيد وحتى للنزهة..