بغداد: لحظة تحوّل الحلم إلى حقيقة

اللقاء ببغداد.. أخيراً، بعدما أمضى الشاب خمساً وعشرين سنة يشكِّلها في ذاكرته انطلاقاً من حكايا جده.

2017-10-16

عاصم ترحيني

كاتب من لبنان


شارك
يحي البطاط - العراق

دقت الصافرة معلنة وصول القطار إلى محطة بغداد. سرعان ما انقلب المشهد الهادئ داخل المقصورة، فتحولت إلى ما يشبه ساحة المعركة. كلٌ يهم على عجالة لجمع متاعه، وقد أعياه التعب بعد الرحلة الطويلة من البصرة. ساد هرج ومرج، ولم تنفع تهديدات "التيتي" (جابي القطار) وحتى توسلاته بفرض النظام.
مذ أن ادركتُ دخولنا بغداد أصابتني رعشة غريبة. ما إن تملّصتُ من الحشود المزدحمة على باب المقصورة، حتى جلستُ على ركن خفي في المحطة أستجمع أنفاسي محاولاً إستيعاب اللحظة. رحتُ أراقب القطار المتهالك يتقيأ صخب المسافرين تباعاً، وكل يمضي مسرع الخطو إلى أيامه ومواعيده.
لحظة أيقنتُ أني بتّ وحيداً، أتقاسم نسمتي البغدادية الأولى وكلاب المحطة الشاردة، إستسلمت لسيل من الدموع. أنا في بغداد للمرة الأولى في حياتي. أنا في بغداد، أخيراً، بعدما أمضيت خمساً وعشرين سنة أشكِّل ذاكرتي عنها من حكايا جدي.
إذاً، ها هي بغداد ما عادت حلماً بعد الآن. ها هي بغداد حقيقة ماثلة أمام عيني وأنا أمام عينيها، أفتح قلبي لأبثها أشواقي وانتظاراتي وهي تفتح ذراعيها لتستقبلني.
أبلغتُ سائق "السايبة" (تاكسي، وهذا مشتق من اسم الماركة) عن وجهتي. كرّر دفعة من الأسئلة العشوائية، لكنه لم يحصل على ما يشفي فضوله. كنت أسير لحظة تحوّل الحلم إلى حقيقة، كنت كمن يشهد لحظة ولادة مخلوق عبقري، طالما تنبأتْ بقدومه العرَّافات، كانت كل حواسي مشدودة، مجنّدة لحفظ تفاصيل المدينة.
أيقظتُ صديقي من نومه، مصراً على ضرورة استثمار كل لحظة من وقتي في رؤية بغداد. لكن العراقي لا يغادر بيته بلا "الريوك" (الترويقة، طعام الصباح)، فإستسلمت مرغماً لرجاء والدته، وسرعان ما تحوّل ترددي إلى ندم لم أبده، بعد أن أعدّت لنا الوالدة "الكيمر" (القشطة) و"الكاهي" (نوع من الفطيرة) المشبع بالشيرة (السكر السائل) والمخلمة (طبق أساسه اللحم أو البيض) وخبز العروك (خبز معجون باللحم المفروم) الطازج.

ثم خرجنا صوب بغداد. عبرنا جسر الشهداء راجلين من الكرخ إلى الرصافة باتجاه منطقة باب المعظم. هذه ساحة القشلة والساعة، إلى جانبها ينتصب تمثال أبو الطيب المتنبي، يرفع ذراعه للسماء باسطاً كفه، كأنه يجاهر بفخره الاستثنائي. هنا مصانع السحر ومهابط الوحي ومهاوي القلوب. هنا تكشف المدينة عن وجهها الجميل، مهما قبحوه بأقنعة التطرّف والتعصّب والفساد. هنا هويّة هذه المدينة، وأنا لسانها.
دخلنا سوق السراي المزدحم. يتيه العابر وهو يراقب التصاميم العمرانية والقباب والاقواس التي تعود للعصر العثماني. سرعان ما ينفتح الأفق أمامك، تبلغ شارع المتنبي لتشهد العراق بأبهى حلله.
تتوزع على رصيف الشارع المزدحم بسطات الكتب والمجلات والموسوعات، مزيج غريب يرضي كل الأمزجة والخلفيات والأذواق. ويتفرّع الشارع إلى قيصريات تقام داخلها حلقات نقاش مفتوحة مباشرة بين الكتاب والقراء ولقاءات ثقافية متنوعة. إنه شارع الأضداد ــ الضرورة، انعكاس لثراء المكونات والعقل العراقي.
إبان الحصار الدولي للعراق، كان شارع المتنبي شاهداً على ضياع نتاج العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء العراقيين. يومها بيعت المكتبات بأرخص الأسعار. ثم عاد وشهد انفجاراً خلّف خسائر بشرية ومادية هائلة.
لكن على الرغم من كل هذا الخراب، يقف العراقي صلباً، متماسكاً، ممتلكاً قدرة استثنائية على ترميم التصدعات وإزالة الركام والنهوض من الدمار، مصراً على البناء والحياة، متجاوزاً التدمير المنهجي الذي أصاب شخصية الفرد علاوة على المجتمع والبلد طوال سنين الحصار والحروب والميليشيات المستوردة.

طلبتُ من أحد الباعة نصيحة أدبية، انهمك يبحث في دكمة الكتب، فرش على سجاده مجموعة الاقتراحات، وأصر أن يهديني رواية وديوان شعر عامودي من تأليفه. أسرّ لي أن أمنيته أن يعيد طباعة ديوانه في دار نشر في بيروت، لأن نوعية الورق المستخدم هناك أفضل، أو ربما لأن ما يُطبع في بيروت هو ميزة في العراق أو" كشخة" (أناقة، تباهي).
أنهينا جولة التبضع وتوجهنا إلى مقهى الشابندر. على جدرانه صور تختصر تاريخ العراق وتنوع مناخاته وأمزجته ومكوناته والأزياء والعادات والطقوس، من أقصى شماله الجبلي في زاخو إلى الفاو في جنوبه، مرورا بالموصل ولالش وسهل نينوى والسليمانية وإربيل وبغداد والنجف والكوفة والحلة وبابل والفلوجة وصحراء الأنبار وذي قار وبادية المثنى والبصرة. في الداخل يرتفع نقاش فكري ممتع يعقبه آخر سياسي حاد، والرؤوس تستسلم منتشية لخدر الشاي المشبع بـ"الشَكَر" (السكر).
على الرصيف المحاذي لسور القشلة، اعتصامات مطلبية وتظاهرات ثقافية، سياسيون وفنانون وطلاب ونازحون. أما في الساحة فيتوزع الجمع على حلقات، بعضهم يغني أو يرقص أو يقدم عرضاً مسرحياً مقتضباً، وشعراء يتبارزون لنيل الإعجاب والتقدير، وحلقة نقاش لأحد المرشحين للمجلس النيابي، وشبان بتسريحات شعر غريبة يتموضعون مبتسمين لعدسة الكاميرا.


اقرأ أيضاً: بغداد أخرى يصنعها المعْدَمون


.. عدتُ لأزور بغداد كلما سمح لي وقتي، أسابق الوقت ومواعيد القطار محاولاً أن أستكشف ما استطعت من شوارعها و"درابينها" (أزقتها) وأبنيتها وحكاياها. لكم تمنيتُ أن يتوقف الزمن، أن أتحرر من الأعباء السخيفة لحياتي، فأتمعن وأتنعم بسحرها.

مقالات من العراق

للكاتب نفسه

عين البصرة البصيرة ويدها القصيرة

الفقر يمشي على قدمين بالبصرة، جائلاً في ساحة أم البروم العاجة بالحياة برغم تكدس الفقراء فيها، فيما أغنياء المدينة لاهون بالنهب.. ليسوا أحفاد من أطعموا الفقراء في المجاعة بتلك الساحة...

سليمة مراد.. المقام العراقي المقيم

رفضت سليمة مراد مثل كثيرين من يهود العراق مغادرة بغدادها، وعاشت حتى آخر حياتها في المدينة التي عرفت فيها العلم والفن وحب الموسيقى والأدب والشعر والقفز بين المقامات والتلذذ بهتاف...