وأد من نوع آخر في ريف العراق

تدهور قطاع الزراعة في العراق أدى إلى نزوج الكثير من الرجال للعمل في المدن وضاعف من مهمات النساء في الأرياف، وأخل كذلك بمنظومات القيم السائدة، سواء في الريف أو في المدينة، بحيث صارت هجينة
2017-07-02

محمد المحمودي

كاتب من العراق


شارك
واسط - العراق (من الانترنت)

واقع المرأة في الريف العراقي لا يختلف كثيراً عن مآسي سكان بلاد الرافدين. الريف ذكوري القرار نسائي العمل، وقد أدّى انحسار ضروريات الحياة من الكهرباء والماء والخدمات الصحية والتعليمية، مع تدهور قطاع الزارعة والتربية الحيوانية في العراق إلى هجرة الرجال إلى المدن، لتتحمل المرأة مسؤولية العمل في الريف، فيما بقي على الاغلب رجل أو اثنين بقومون بتوجيهها. فطبيعة العمل الزراعي التقليدي والإنتاج الزراعي المحدود لا يتطلبان مستويات عليا من التعليم والتأهيل.

تبدأ الرحلة اليومية للمرأة مع أولى خيوط الفجر وحتى وداع الشمس لتنام مبكراً وتصحو مبكراً، وضمن هذا الإيقاع  تُكمل حياتها ما دامت في الريف.

تراتبية العمل ورتابته

 تتوزع المسؤوليات بحسب العمر، حيث تتكفل من هن بعمر العشر سنوات برعي الماشية، وهذه المهمة غالباً ما تكون محفوفة بالمخاطر نتيجة للطبيعة الجغرافية ووجود حيوانات مفترسة، لذلك ترافقهن من تكبرهن سناً التي تستطيع استخدام السلاح، فيما تتنوّع أعمال الأخريات في مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، بالإضافة إلى من يعملن في بيع الأسماك ومنتجات الحيوانات في الأسواق الشعبية للمدن.

في مناطق عديدة من الريف يعتمد السكان على بيع الحليب ومشتقاته، وهذه أعمال تقوم بها النساء فيما يقضي الرجال جل يومهم في مسامرة بعضهم. وتولد النساء في الريف ليتربين ويرين الاضطهاد ومصادرة الحقوق منذ الطفولة وسط شرعنة أمهاتهن لذلك: "هذا ما وجدنا عليه أمهاتنا". فالمرأة ترى العمل في الحقول والمزارع التابعة للأسرة امتداداً لعملها المنزلي وإطاراً محدداً يقلل من فرص الاتصال بالغرباء ومن الاختلاط بالجنس الآخر، ما يبعدها عن المناطق الخطرة في خارطة العرف الاجتماعي. فالحب جريمة لا تغتفر وعار لا يغسله سوى دمها بمجرد علم المحيطين بها. وقد أثّر الخطاب الديني والحداثوي بنسبة ضئيلة على البعض فخففوا العقوبة: حين تُتهم امرأة بعلاقة بشخص ما يجري تزويجها بأسرع وقت ليس لمن تحب،  ــ فهذا يضاعف "الجريمة" ــ بل لمن ترتئيه حكمة الأب تخلصاً من الفضيحة. فيما يحق للرجل أن يحب ويتفاخر بتعدد عشيقاته، فالسطو ليلاً على النساء وهو يحمل سلاحه يعد في العرف السائد شجاعة وشدة بأس. وعند الزواج يكتفي ببنات العم أو القريبات منه اللواتي يعتبرهن من ممتلكاته، وزواجه منهن بديهي لا يستوجب سوى حديثُ روتيني بين الاهل بمهر رمزي، لتنتقل الفتاة من هذا الحقل إلى ذلك الحقل، مع تحولها إلى آلة للإنجاب الذي يعد مصدر قوتها، لا سيما حين تنجب ذكوراً. وأما عدم الإنجاب أو إنجاب البنات فقط فيجعل منها عرضة للسخرية ويزيد من احتمالية تعزيزها بأخرى.

 على الرغم من تعدد حلقات مشاكلها، لكن يبقى الزواج الحلقة الأكثر ضيقاً عليها في الريف، إذ غالباً ما يكون رأيها ثانوياً بعد موافقة ذويها، ومن الممكن ألا يتجاوز الزواج عملية مبادلة نساء، وهذا ما يُعرف بزواج "كَصه بكَصه" حيث يتزوج رجل أخت رجل آخر مقابل زواجه من أخته. وقد تكون ثمناً لمشاكل أحد أفراد أسرتها لتتزوج أحد أفراد أسرة الطرف المعتدى عليه (ما يقال له "فصلية") وبذلك تكون أشبه بجارية بعقد شرعي.
 

العقل الريفي، ومنه النظرة الدونية للمرأة، ما زال يسيطر على الكثير ممن تحولوا للمدن من دون أن يغيروا سوى مظهرهم. وهم لم يشكلوا قوة متصدية للفكر الرجعي في الريف أو تغييرية بل على العكس شكلوا أداة رقابة وضبط على سلوكيات أهل المدينة وأخذوا بمضايقتهم. فالمدن اليوم مكتظة بسكان الريف وسلوكياتهم

و"الكرم" في الريف العراقي يصل إلى النساء، فأحياناً عندما تولد طفلة يهديها الأب لأحدهم لتُنادى مع مرور الأيام بزوجة فلان وتكون بلا مهر ("زواج الهبة")، وهذا الأمر غالباً ما يقوم به من تكثر لديهم البنات أو تكون هدية لأحد وجهاء القوم أو لـ"السادة" الذين ينتهي نسبهم إلى الرسول. وتعرف الكثير من القبائل بكونها لا تزوج بناتها لغير رجالها، فيما يحق لرجالها الزواج من خارج القبيلة، وعند محاولة تزويجهن من قبل الأب أو الأخ، يستخدم أحد أفراد العشيرة (وغالباً ما يكون ابن عم) حق الفيتو ("النهوة") وبموجبه لا تتزوج إلا بموافقته... وقد لا تتزوج أبداً! وهي ممارسة يدينها القانون العراقي، لكن عزوف الأهل عن متابعة الموضوع قانونياً بسبب التبعات العشائرية. أما لو عصفت رياح الحب وتمردت المرأة وحبيبها على العرف فيهرب بها فتحل كارثة مجتمعية تشمل أهل الخاطف وأبناء عمومته. هناك من يرضى ببدل مادي "فصل" أو يمتنع ويبقى يبحث عن الزوجين / العاشقين الهاربين، ويُروى عن أحدهم أنه بعد خمسة عشر سنة تبع أخته إلى الأحواز (منطقة حدودية بين العراق وإيران) وقتلها وعاد مفتخراً بنصره المؤزر وفق شريعة الأجداد.

رواية الهموم

بمحاذاة الطريق الرابط بين بغداد وواسط  (وعاصمتها الكوت، وتبعد عن بغداد 180 كيلومتراً الى الجنوب الشرقي)، حيث الماء الوفير (حتى سميت بشبه الجزيرة لاحاطة الانهار بها)، تقع المزارع الكبيرة. ومع اقتراب موسم حصاد محصولي الحنطة والشعير تتوزع النسوة في هذه المزارع ليقمن بعملهن الذي يفوق طاقتهن وعددهن. "أم فلاح" الفلاحة الأربعينية فقدت فلاح بعد دخول داعش لتبقى مع ابنتيها نور وفاطمة وزوجها. نور لم تكمل دراستها على الرغم من تفوقها بسبب عدم وجود مدرسة للبنات في قريتهم، إذ توجد مدرسة مختلطة فقط، وهذا شائع في الريف بسبب قلة الأبنية المدرسية. أما فاطمة فزوّجت من ابن عمها رغماً عنها وهي لم تكمل 15 عاماً، وهو الآخر لم يسلم من سعير الحرب إذ فقد ساقيه، لتكون هي المعيل من خلال العمل في حقل والدها لتعيل طفلتيها. كفرسين جموحين تتسابق الأختان لسرد معاناتهن ويستدركن بالقول المأثور "الذي يسمع مصيبة غيره تهون عليه مصيبته". فقصص الكثير ممن حولهن في الريف أشد بشاعة وآلماً من قصصهن، فيما تسارع الأم لتخفف من حزنهن ولتؤكد أنهن الآن بخير مقارنة بوضعها قبل سنين. فدخول المكننة في الزراعة قلل من واجباتهن، مؤكدة أنه كان الحصول على كمية لا تتجاوز 20 لتراً من الماء يستوجب قطع مسافة 4 كيلومتر، بالإضافة إلى رحلة جمع الحطب التي تستغرق ساعات، مؤكدةً أن هذا الحال مستمر في مناطق كثيرة من الريف. تضيف نور: لم نعترض على العمل وصعوبة الحياة فهذا قدرنا، لكن المسألة تكمن في أحلامنا التي نشأت منذ طفولتنا ثم تلاشت مع أولى صيحات الأب وقيود القبيلة وألسنة المجتمع. حلمي أن أكون مهندسة يعتبر انتهاكاً للتقاليد وتحريفاً لتراث الأجداد فيما يحق للرجل هنا أن يمارس كل طقوسه وأن يعمل على تحقيق كل أحلامه ورغباته! اعتذرت أم فلاح عن إكمال الحديث فوقوفهن مع الغرباء يثير المشاكل وهذا على الرغم مت رغبة بناتها بإكمال حديثهن فقد وجدن فيه نافذة لتفريغ همومهن.

والريف هو البيئة المثالية لتداول الإشاعة وانتشارها بسرعة كبيرة خصوصاً فيما يخص سمعة النساء. فالهمس والإيحاءات في المجالس عن أحداهن كفيلة بتشويه سمعتها، وقد تكون جريمتها لا تتجاوز حديثاً جانبياً على النهر أو في الحقل مع أحدهم أو رفضها لعروض الغرام من شخص.. (ح) في أقصى ريف الجنوب تحدثت عن تحملها العمل في رعي الماشية والقيام بالأمور المنزلية مع إكمال دراستها، التي حصلت على موافقة الأب عليها بصعوبة كبيرة على الرغم من رفض إخوانها ("الذين فشلوا في دراستهم" كما تقول). لكن فرحتها لم تكتمل فرؤية أخيها لأحدهم يسألها عن الطريق وهي عائدة إلى البيت كانت كفيلة بتركها للمدرسة وحجزها في البيت وعرض أباها على أحد أقربائهم بالزواج منها لوجود غريب تقدم لها على الرغم من رفضهم السابق للقريب.

والمدينة ليست بعيدة عن سلوكيات الريف، على الرغم من أنها شذبت الكثير منها. فالعقل الريفي، ومنه النظرة الدونية للمرأة، ما زال يسيطر على الكثير ممن تحولوا للمدن من دون أن يغيروا سوى مظهرهم. وهم لم يشكلوا قوة متصدية للفكر الرجعي في الريف أو تغييرية بل على العكس شكلوا أداة رقابة وضبط على سلوكيات أهل المدينة وأخذوا بمضايقتهم. فالمدن اليوم مكتظة بسكان الريف وسلوكياتهم.

مقالات من العراق

العراق: جنازة "حرية التعبير"

ليث ناطق 2019-03-13

هناك اتجاه لإقرار قانون "جرائم المعلوماتية" الذي يلاحق مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك تعميمات للمؤسسات الى موظفيها بمنع "المساس بالرموز الوطنية والدينية".. هكذا على الاطلاق، وفي الوقت نفسه لا يُقَر...

للكاتب نفسه