الحياة من أجل موت تلفه المحبة

جدلية العلاقة بين الحياة والموت من منظور عراقي مخصوص يشهد على قسوة هذه الأرض، ونهمها للشمس والدم، وعصيان الناس فيها على الفناء، ونهوضهم كل مرة..
2017-05-31

شارك
مؤيد محسن - العراق

-1-

التناقض هو مدخلك إلى العراق، وإلى كل ما هو عراقي، أما الحدود الوسط فليست من سجايا هذه الأرض.

-2-

ومن هذا التناقض أنك لن تجد نصاً شعبياً عراقياً يحتفي بالحياة لذاتها إلا نادراً، ستجد نصوصاً أدبية عراقية باللغة الفصحى ضمن هذا السياق، ولكنك لن تجدها في النصوص الشعبية، المدون منها أو الشفاهي، حتى إن الحياة في العراق ستبدو إن نظرت لها من موقع برّاني كأنها أنشودة طويلة للموت، ولكنني أزعم أنك تحتاج إلى وقت طويل لتعرف كيف يحتفي العراقيون بالحياة عبر الاحتفاء بالموت ذاته، كواحد من تجليات تناقضاتهم المزمنة.

-3-

إذا قاربنا ولع العراقيين بالموت من ناحية دينية تتمحور حول كون "الحياة الدنيا" معبر إلى الآخرة، ولا قيمة لها بذاتها لولا صفتها كمعبر، مقرونة بما ترسّخ في الذاكرة الجمعية العراقية من ولع بالتضحية، تماهياً مع واقعة الطف ومقاتل آل علي في العراق، ألن يعني ذلك أن لا قيمة لما يمكث خلف الإنسان؟ أي الذكر ومحبة الناس.
ما هي قيمة محبة أهل الدنيا بالنسبة لشخص يقدم على الموت طالباً الآخرة؟
عند هذه النقطة يبدو لي أن العراقيين يحتفون بالحياة عبر الموت.
سلْ أي عراقية بسيطة في عمق الجنوب عن مرتكز طموحاتها، ستتلقى إجابة بسيطة محددة: ولد يحمل جنازتي، وبنت تنوح عليَّ في عزائي قائلة: يا أمي يا حبيبة.
بل إنك ستجد أن طيب سيرة الإنسان، ونبل حياته، لن يتمظهرا بالنسبة للعراقيين إلا عبر معيار عجيب: من يحضر تشييعه ومجلس عزائه بعد الوفاة. ويقيس القوم احترامهم لبعضهم بالتزامهم في مشاركة الآخرين أحزانهم، بحضورهم مجالس عزاء أمواتهم.
حتى إن الرعب الأكبر الذي يحاصر العراقيين في الغربة ــ حسناً، أغلبهم على الأقل ــ هو أن يموتوا وحيدين، وأن لا يقف عندهم ساعة يوارون الثرى أحبة يذرفون الدمع، يردون عنهم وحشة المنزل الجديد. ويذهب العراقيون صباح العيد إلى المقبرة، يعايدون الراحلين، يقولون لهم: أيامكم سعيدة، نحن بخير، أنتم معنا في العيد وفي غيره.

-4-

يبدو أن هذه الأرض ولكثرة ما "رويت بالشمس والدم" ــ كما يقول مظفر النواب ــ تعلمت أن الحياة العراقية إنما هي صورة أخرى للموت الملازم لها، موت متطاول يعانق الحياة ويناجزها دون كلل، كلما اشتد عودها، وتكاثف ربيع خضرتها، ازداد ضراوة عليها، يعاركها كالرحى تعرك الحب. ولكثرة ما صارع أهل العراق الموت، قرروا أن يتحايلوا عليه، أن يؤسسوا لعلاقتهم ببعضهم عبره هو بذاته، الوحش الذي طالما فرّقهم. وتدريجياً أدمنت الأرض أن تحتفي بالحياة عبر الموت، وكما تظن الرحى أنها انتصرت على السنابل، يظن أنه انتصر، ولكنه مندحر خاسر في الحقيقة، لأن السنابل تصنع الحياة إذ تبارح الرحى، لتُطْحَن متجددة مراراً وتكراراً، كما العراقيون.

-5-

ألِف العراقيون الغياب حتى صار ملازماً لكل ما ينتجوه من فن، وتكيفوا على أن ينتظر كل واحد منهم غيابه الشخصي بأكثر من طريق، بل إن ألفة التغييب وصلت بهم إلى أن يساكنوا أمواتهم. دعك من مقبرة وادي السلام في النجف، التي تحتضن البيوت، تتربع على الطريق الواصل بين النجف وكربلاء مستمرة بالاتساع دون توقف، دعك من هذه المقبرة العملاقة التي ستغدو طبيعية بموقعها وسط المدينة إذا عرفت أن هناك عادة شاعت لحقبة طويلة بين العراقيين، هي دفنهم أمواتهم في بيوتهم، لتتحول البيوت بتعاقب الليالي ودوران الزمن إلى مساجد. وستدرك أن هذا التقليد جذوره عراقية قديمة حين تعرف أن هذه العادة يمارسها المسيحيون العراقيون أيضاً، يدفنون أمواتهم في بيوتهم، لتتحول بمرور الأيام إلى كنائس. ومن هذه البيوت/ المدافن/ الكنائس الكثير في بغداد اليوم، تحكي لك قصة حياة كانت متجسدة فيها، واستمرت ــ على الرغم من عبورها جسر الغياب ــ متجسدة معنوياً، تطوف ذكرياتها في المكان، تقبّل شبابيكه وأبوابه، مثل أم تقبّل رضيعها.

-6-

يختصم العراقيون طويلاً، ثم تحين تلك اللحظة التي يفقد أحد المتخاصمين فيها فرداً من أسرته، فيصبح الصلح واجباً مهما كانت الخصومة شديدة، ويتنازل صاحب الحق عن أولويته بالاعتذار، فيأتي راضياً إلى العزاء، يشارك القوم حزنهم، يندمج في الأسى الذي يلفهم، يدور على رؤوسهم كأنه غمامة، ينذر بأمطار من الوصال والتراحم، ينبي عن عقود متراكمة من التجارب، علّمت أهلها أن وجوه الأحبة ترتصف تباعاً، تمد جسراً بين الحياتين، بين الآيبين إلى مستقرهم، وبين المنتظرين هنا الذين تدور عليهم فناجين القهوة المرة، ممزوجة برائحة التراب المرشوش، وهمهمة خفيضة تردد سورة الفاتحة، وصوت المقرئ يطفو على أنفاس الجمع، مردداً ما يعزي بالإيمان الخواطر المجروحة، حتى تكاد أن تلمس بيدك نسيجاً من المحبة يظلل رؤوس الجالسين من هجير الفقد، وتكاد تسمع صوتاً واحداً يلف الجميع، يتردد بين صدورهم وأفواههم، أنكم واحد، وأن الموت منهزم، إن مرارة القهوة في أفواهكم انتصار على مرارة الحياة. صوت يقول لهم: إن الجنائز التي استقرت على أكتاف المشيعين، ترتجف أكفهم محبة، تسري إلى المحمول حتى تكاد أن تبعثه حياً، هي رابطكم، حصنكم الذي أبقاكم أحياء على هذه الأرض، هي سداكم ولحمتكم، ماضيكم وآتيكم، حاضركم الذي لا كينونة له سوى كونه الرابط بين الذاهبين والقادمين، عجلة تدور، تستقبل القادم بذكر الراحل، ليظل امتداداً له، شاهداً على قسوة هذه الأرض، ونهمها للشمس والدم، وعصيان الناس فيها على الفناء، ونهوضهم كل مرة، متسلحين بالموت لمواجهة الموت.

مقالات من العراق

"ثورة تشرين" في العراق... مرّ عام!

ديمة ياسين 2020-10-08

أمسك بهاتفي طوال الليل والنهار، ألتهم صور ساحات الاحتجاج بعيني، أنظر إلى وجوه الشابات والشبان يعلوها الحماس، وأصواتهم تصدح بالأغاني. تضيء الشاشة وجهي في ظلام غرفتي البعيدة في هذا الشمال...