العمارة الإسرائيليّة: معجم أدوات القمع

"علينا أن نتذكّر أن أجمل الأعمال المعماريّة التي نُحبّها ونقطع سفراً لنشاهدها، كانت حصوناً أو مواقع لمعارك وإعدامات، أو أنها قلاع جميلة استخدمت كأداة قمعٍ اجتماعيّ، سياسيّ وعسكريّ. الاستخدام لا يترك صبغته على العمارة لأنه جزء من ماهيّتها، من وظيفتها. العمارة كانت على الدوام وسيلة لخلق الهرمية التراتبية في الفضاء من اجل إنتاج انعدام المساواة وتكريسها، ومن أجل ممارسة السيطرة".
2014-12-03

شارك
(من الانترنت)

"علينا أن نتذكّر أن أجمل الأعمال المعماريّة التي نُحبّها ونقطع سفراً لنشاهدها، كانت حصوناً أو مواقع لمعارك وإعدامات، أو أنها قلاع جميلة استخدمت كأداة قمعٍ اجتماعيّ، سياسيّ وعسكريّ. الاستخدام لا يترك صبغته على العمارة لأنه جزء من ماهيّتها، من وظيفتها. العمارة كانت على الدوام وسيلة لخلق الهرمية التراتبية في الفضاء من اجل إنتاج انعدام المساواة وتكريسها، ومن أجل ممارسة السيطرة".
إيال فايتسمان معماريّ، وكاتب، وناشط، وبروفيسور في الثقافات البصريّة في جامعة غولدسميث في لندن. وهو إسرائيلي مناهض للصهيونية، تميَّز بكتاباته المفكِّكة للوظيفة الاستعمارية للعمارة، ومنها "احتلال مدني: سياسة العمارة الإسرائيلية"، و"عبر الجدران: عمارة حرب المدن الجديدة"..
وهو يقول إن الرابط بين القوّة والعمارة لا ينفصم، حتّى وإن كان البناء يخدم غاية جماليّة إلى حدٍ كبير. عمارات المدينة وأبراجها مثلاً، التي يقطع السائح بلاداً ليراها، صُممت غالباً من أجل الإشراف على السكّان. "حتى جادات باريس الجميلة شقت، وإن جزئياً، بهدف خلق محيط يُسيطر على التمرّدات وأعمال الشغب في القرن التاسع عشر" يقول فايتسمان، "علينا أن نفهم أن الجمال والرُعب يرتبطان جوهرياً في العمارة، وهو ما يفسّر أصلاً افتتاننا بالهندسة المعماريّة".
 

من رأس التلّة إلى قلب البيت
 

يعتبر فايتسمان السيطرة الإسرائيليّة على الحيّز الماديّ للفلسطينيين مثالاً واضحاً على ذلك، وقد خصص صاحب "المناطق المحظورة" القسط الأكبر من إنتاجه لإلقاء الضوء على هذا النوع من السيطرة، إذ يرى في الهندسة المعماريّة أداة لفهم السياسة تختلف عما تقدمه الصحافة أو العلوم السياسيّة. لا يوجد تقريباً في العالم مساحة إلا واستُعمرت، وعليه، فإن المعمار الاستعماري هو السبّاق في السيطرة على الناس. "أنماط الاستعمار الاستيطاني سعت دائماً لعزل وحماية المُستَعمِرين وإقصاء الواقعين تحت الاستعمار". في فلسطين، يشير فايتسمان الى أن "المستوطنات بُنيت فوق التلال لتشرف من علٍ على القرى الفلسطينيّة، فتحاصرها وتُحْكم السيطرة عليها في الوقت الذي تؤمن حمايتها لنفسها. سطوح المباني في المستوطنات حمراء تطبيقاً لما تمليه قوانين تخطيط المستوطنات، وذلك للمساعدة في توجيه الجيش وتمييز المستوطنات".
"إن الاحتجاجات العنيفة الجارية في القدس هذه الأيّام هي ردّ فعل مباشر على الموجة الجديدة من المشروع الاستيطاني"، فبينما بَنت الموجة الأولى المستوطنات على رؤوس التلال معتمدةً على مبدأ "فصل الحيّز"، تدفع الموجة الثانية بالاستيطان إلى مراكز الأحياء والمدن الفلسطينيّة. في سلوان مثلاً، يمكن أن نرى تجمّعات استيطانية من 45 بيتاً مبنيّة في قلب البيوت الفلسطينيّة. "هناك سيكون رجال الأمن فوق السطوح، وهي ستنشط كنوع من المستوطنات المصغّرة داخل النسيج المدني مما سيؤجج الاحتكاك الى أضعاف ما هو عليه. هذه هي الحالة الاستيطانيّة التي يحتجّ عليها المقدسيّون ويثورون ضدّها".
"إن فلسطين هي، إلى حدٍ معيّن، المختبر لتطبيق أكثر الوسائل المعماريّة تطرّفاً. ففي لوس أنجلس تجد أن الأوتوسترادات تخدم المجتمعات المتْخمة وتهمّش المناطق الفقيرة، أما في دول الخليج فالقوى العاملة محصورة ومفصولة وخاضعة للتحكّم. أدوات الفصل الرأسماليّة هذه موجودة في جميع أنحاء العالم، وهي تشكّل، كلّها معاً، صندوق الأدوات المعماريّ الذي تستخدمه إسرائيل في الضفة الغربيّة" يقول فايتسمان، واصفاً هذه الأدوات بأنها "معجم معاصر لسياسات المراقبة، والفصل، والتحكم والقمع في أحيانٍ كثيرة، تجده أينما نظرت، وحيثما ذهبت".
لكنّ هذا التحليل المعماريّ للوضع السياسي القائم تلفّه داخل إسرائيل حالة من "الإنكار والبراءة السياسيّة" كما يسمّيها فايتسمان. "هناك اتفاق على الصمت حيال الأبعاد السياسيّة للعمارة. مدارس الهندسة المعماريّة تفرغ المهنة من السياسة وتحصرها إلى حدٍ كبير ضمن التجربة الجماليّة". حالة الإنكار هذه كما يصفها تحوّل العمارة إلى فريسة من يتلاعبون بالمهنيّ لأهداف سياسيّة، فكلّما اقتنع المهندس المعماريّ بأن عمله ليس سياسياً، "كلّما سمح أكثر بالتلاعب بالعمارة لأهداف سياسيّة". لن يناقش المعماري الإسرائيلي قضية القمع أو سرقة الأرض، فهو لا يريد أن يصدّق بأنه يعمل في خدمة السيطرة العسكريّة حتى عندما يخطط لبناء المستوطنات، بل يُقنع نفسه بأنه يخدم عائلات عينيّة ويبني لأجلها. ولعل أقوى الرموز التي يطرحها فايتسمان هي كليّة الهندسة المعماريّة في جامعة مستوطنة آريئيل وهي قائمة داخل الأراضي المحتلّة عام 1967.
 

الرفض المعماري: تنبيه المهنة لدورها..
 

من جهة، يقول فايتسمان، لدينا المباني العسكريّة كأبراج الحراسة والجدران التي تصممها وزارة الأمن وفقاً للمنطق النفعيّ والوحشيّ للسيطرة العسكريّة. من جهة أخرى، لدينا "الاحتلال المدني" الذي يؤسسه معماريّون مدنيّون يعملون لمصلحة الحكومة - وهي ذاتها الحكومة التي تقرّ بناء المستوطنات فوق التلال. لكنّه بالحقيقة اختلاف هامشيّ: فسواء كان المعماريّ يعمل لمصلحة وزارة الأمن أو لحساب سلطات التخطيط المدنيّة، فذلك لا يبدّل شيئاً من أن الفلسطينيين هم وحدهم من يدفع الثمن المادّي، الجغرافي والنفسي، نتيجة السيطرة العدوانيّة على حيّزهم".
أحد عوامل القوّة في النظام الإسرائيلي كما يراه فايتسمان، يكمن في أنه من غير الممكن رسم الحدّ بين الاقتصاد الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي والسياسة الإسرائيليّة: كل أفراد المجتمع الإسرائيلي، وكل الشركات والمؤسسات، كلهم يستثمرون في التجارة مع الاحتلال. "ليس هناك مشروع استيطاني خلف الخطّ الأخضر فحسب، فالمشروع لا يختفي عندما تدخل أراضي 1948. إن قوّة العلاقات والتشبيك للمشروع الاستيطاني لا تكمن في الضفة الغربيّة فقط،، إنما داخل أراضي 48 أيضاً، داخل إسرائيل، في الحكومة الإسرائيليّة وفي المجتمع الإسرائيلي، في المؤسسات والاقتصاد الإسرائيلي".
"ما نحتاجه هو الرفض المعماريّ للمشاركة في هذه الممارسات، مثلما نجد جنوداً يرفضون الخدمة العسكريّة. الهندسة المعماريّة بحاجة إلى مواجهة الإنكار، وإلى فهم الإطار السياسي الذي يصبّ عملها فيه ولمصلحته"، مشيراً إلى وجود عدد من المعماريين الذين رفضوا المشاركة في وضع المخططات الاستعماريّة الإسرائيليّة، معتبراً هذا الرفض "فعلاً مقاوماً للهيمنة الإسرائيليّة".
ويضيف فايتسمان أن "المقاطعة وسيلة ناجعة جداً ليعرف الإسرائيليون بأن ممارساتهم تتجاوز كل حدود، وأنها ممارسات مرفوضة. وبالطبع، فإن دفع المقاطعة إلى مجال الهندسة المعماريّة من شأنه أن ينبّه المعماريين إلى فهم الدور السياسي لإنتاجهم، الدور الذي ما زالوا ينكرونه".

----
يستند النص الذي حرره مجد كيّال الى مقابلة أجراها فايتسمان مع موقع "ميدل ايست مونيتور" بمناسبة عرض الفيلم الوثائقي (5/12/2014) "هندسة العنف" في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية ( SOAS )، من ضمن فعاليات "مهرجان لندن للفيلم الفلسطيني".

 

مقالات من فلسطين

معضلة الضمان الاجتماعي الفلسطيني

عدم الثقة بمؤسسة الضمان الاجتماعي، وعدم القناعة بالحكومة باعتبارها ضامناً، وغياب اللوائح التفسيرية والأنظمة الأخرى التي كان يجب أن تتوفّر قبل البدء بتطبيق القانون، كلّها عوامل أدّت إلى توسيع الفجوة...