كيف يبدو يوم الأرض من الداخل؟

الإشكاليات المحيطة بطقس التظاهر في "يوم الارض" بفلسطين: التنزه داخل الغيتّو لا يُرعب الاستعمار، ولا الظهور بتصريح رسميّ لساعتين في تل أبيب. إنما السعي الفعليّ والماديّ لاختراق الحدود المفروضة.
2017-03-30

مجد كيّال

كاتب فلسطيني من حيفا


شارك
قرية قديس قرب رام الله / تصوير: شادي حاتم

تصطفّ سيّارات البثّ المباشر في ساحة محاذية لموقع انتهاء المسيرة، حيث يُعقد مهرجانٌ خطابيً. عدد السيّارات، الذي يدلّ على اهتمام القنوات التلفزيونيّة بنقل الحدث لحظة بلحظة، يكاد يكون الأمر الوحيد الذي يُعطي المتظاهرين شعوراً بأنهم يشاركون بحدث ما ذي أهميّة. ربما لأن ثقافة التظاهر داخل الأرض المحتلّة عام 1948 قد تمحورت منذ سنوات طويلة حول فكرة "أن نوصل رسالتنا إلى العالم". سمعت مرة شاباً يقول إنّ جملة "لقد أوصلنا رسالتنا، وكفى" هي أكثر وسيلة تفريق مظاهرات مستخدمة في فلسطين بعد الغاز المسيل للدموع. يعرف هذه الجملة كل شاب وفتاة فكّروا في يوم من الأيّام أن يأخذوا التظاهر خطوةً واحدةً أبعد مما تقرّه القيادة السياسيّة، أن يقطعوا الطرق الرئيسيّة مثلًا، أو أن يتّجهوا نحو نقطة تماسٍ معيّنة للاصطدام مع وحدات القمع الإسرائيليّة: "خلص يا شباب، وصّلنا رسالتنا، يكفي"، يقولون لهم أولًا بلهجة مودّة أبويّة ونصف احتضان، ثم تتصاعد اللهجة لتصبح آمرةً وتصل حد الشتيمة والمشادّة بين الحريصين على "سلامة الشباب"، و"قرارات القيادة"، و"التظاهر الحضاريّ" من جهة، وشابّات وشبّان سئموا من رماديّة التظاهر وطابعه الفلوكلوريّ: النقاشات قبل المظاهرة هي ذاتها، الهتافات ذاتها، الطرقات نفسها، برنامج الخطباء لا يتغيّر، وردود فعل الناس على كل خطابٍ وآخر هي ردود الفعل نفسها، حتّى الشجارات بين شباب الأحزاب المختلفة هي الشجارات المتوقّعة ذاتها (حتّى بتنا نستغرب إن لم تقع).
 

"طقس" التظاهر
 

من جهة أولى، فقد كبرنا في مسيرات ذكرى "يوم الأرض". بمعنى أن أجيال فلسطينيّة كثيرة اشتركت في هذه الفعاليّة المستمرّة منذ أكثر من 40 عاماً، وربما يمكن اعتبارها "التقليد" السياسيّ المنظّم الأقدم لدى الفلسطينيين في الداخل (فالإحياء الرسميّ لذكرى يوم النكبة مثلًا، بدأ قبل 20 عاماً فقط). وكانت بالنسبة لمعظم نشطاء الأحزاب أو المنخرطين في العمل السياسي أوّل مساحات الممارسة السياسيّة بكل ما تحمله من ديناميات. وهو ما يحوّل يوم الأرض إلى طقسٍ فعليّ بكل ما يحتاجه الطقس من عوامل: حركة (مسيرة على رأسها صفّ من الرجال بأيدٍ متشابكة)، كلام (هتافات وخطابات)، معدّات (أعلام ويافطات)، تُنفّذ بترتيب محدد (تجمّع، مسيرة، مهرجان خطابيّ) وفي موقعٍ يكون في الغالب معزولا،ً وبدوريّة ما (سنوياً هنا). ولا شكّ أن ذلك الطقس يلبّي وظيفة أساسيّة في معركة يُراهن فيها الاستعمار على النسيان وعلى محو الرواية التاريخيّة الأصليّة.
 

هناك بالمقابل خطاب عدميّ يكْفر بجدوى التظاهر ويؤدلج، بادعاءات حقةّ، مواقف التقاعس والكسل والعزوف عن العمل السياسي، باتجاه نوع من التسليم بالأمر الواقع والاندماج به
 

لكنّ المسيرة السنويّة، من جهة أخرى، باتت تشكّل ممارسة كاريكاتوريّة مُبتذلة تجترّ نفسها سنوياً في ظلّ ظرف سياسي عنيف ودينامي ومتغيّر، ووعي سياسي شبابي تطوَّر مع تطور الظرف السياسي وتغيّر خطابه بشكل تراكميّ، تأثّراً بعوامل كثيرة أهمّها ظروف تواصل ومعرفة اجتماعيّة ووسائل وإمكانيّات تغيّرت وتتغيّر بسرعة هائلة، إضافةً إلى النزعة الشبابيّة الفطريّة للفظ الطقوس الاجتماعيّة، وإضافة لعالم متغيّر بأسره، تُسخِّف فيه طقوس العولمة الحديثة والفردانيّة كل الطقوس الاجتماعيّة الأخرى وتنعتها بالتخلّف. ويُلاحظ، بالمناسبة، كيف يُهندس هذا ديموغرافياً المشاركين الذين تستقطبهم مسيرات يوم الأرض: شريحة ضيّقة من بين نشطاء الأحزاب الملتزمين، كبار السنّ ممّن عايشوا يوم الأرض ولا زالوا يحفظون الوفاء لهذا الطقس، أطفال يصطحبهم ذووهم للتظاهر "الآمن" إذ لا خطر لاندلاع المواجهات، وشريحة لا بأس بها من طلّاب وطالبات مدارس مراهقين لم يصلوا حتّى الآن مرحلة السأم.
عملياً، يتأرجح يوم الأرض بين أهميّته كطقس اجتماعي مدني (بمعنى أنه ليس دينياً ولا عائلياً)، وبين الانعدام التام لقيمته السياسيّة المباشرة في إطار حربٍ ضروس على الأرض: مصادرتها وهدم القرى وتهجير الناس منها يومياً. وهو ما يؤدّي إلى ثنائيّة بائسة، بين خطاب المحافظة السياسيّة التي تُفقِد النضال حيويّته وفعاليّته وتأثيره، وتحوّله فلكلوراً يمجّد ماضياً لا مجال لتكراره، ويُثبط المواجهة مع السلطة ويوفّر ظرفاً مريحاً لاستمرار القمع اليومي، ومن جهةٍ أخرى، خطاب عدميّ يكْفر بجدوى التظاهر ويؤدلج، بادعاءات حقةّ، مواقف التقاعس والكسل والعزوف عن العمل السياسي، باتجاه نوع من التسليم بالأمر الواقع والاندماج به.

 

أين تظهر الثنائيّة؟
 

تظهر هذه الثنائيّة، بالأساس، في نقاشين يسبقان كلّ ذكرى ليوم الأرض ويرافقانها: نقاش الإضراب العام ونقاش التظاهر داخل البلدات الفلسطينيّة. يحتاج النقاش الأوّل إلى مساحة كبيرة للخوض فيه، فهو يرتبط بعوامل عدّة منها فعاليّة الإضراب في إطار الوضع الاقتصادي القائم، جهاز التعليم، التنظيم العمالي (المعدوم) في فلسطين، وغيرها من الجوانب. أما الجانب الثاني فهو في صلب طقس التظاهر: موقع ممارسة الطقس، "فالموقع يلعب دوراً مفصلياً في تنظيم الطقس، وفعاليّات الطقس تحمل معنى وتأثيراً فقط عندما تُمارس ضمن ترتيب حيّزيّ ما".
واحدة من أبرز مواصفات المسيرة التقليديّة لإحياء ذكرى يوم الأرض هي أن المسيرة لا تخرج من الشوارع الداخليّة للقرية التي تُقام بها المسيرة. واحدة من الاستثناءات القليلة شهدناها قبل 17 عاماً، في آذار/ مارس 2000: كانت الأعوام الأولى لتشييد أحد مصانع الأسلحة التابعة لشركة "رفائيل" الإسرائيليّة على أراضي مدينة سخنين، وهي أكبر بلدان مثلّث يوم الأرض (سخنين، عرّابة، دير حنّا) التي استهدفها مخطط المصادرة والذي قامت على أثره الاحتجاجات في 30 آذار/ مارس عام 1976. يومها، بدلاً من أن تمشي المسيرة بشكلٍ دائري وتنتهي في قلب البلدة، اتّجهت إلى مدخلها الذي يحاذي بوابة المعسكر، حيث اندلعت على الفور مواجهات عنيفة استشهدت خلالها سيّدة مسنّة. من بعدها (وقبلها أيضاً)، لم تجرؤ مسيرة واحدة على الخروج عن التخوم المسموحة والتوجّه إلى مداخل القرى أو المدن.
 

كيف تحجبنا إسرائيل؟

هناك من يحلّل مواقع تظاهر الناس من أجل فهم مواقع ومكامن أو حتّى دوافع القرار السياسي في بلدٍ معيّن. يكون لموقع التظاهر أحياناً رمزيّة تاريخيّة، أو دلالة على المؤسسة الحاكمة فعلًا في الدولة (البرلمان؟ مقرّ الحكومة؟ بيت الرئيس؟)، وفي أحيان أخرى تسعى التظاهرات إلى الخروج من موقعٍ إلى آخر، مثل محاصرة الطلّبة في الجامعات ومنع تظاهراتهم من الخروج إلى الميادين الرئيسيّة.
 

.. تلك أدوات مجتمعة لفصل البؤر الفلسطينيّة السوداء عن المساحة العامّة في "الدولة"، بمعنى أن يتمكّن الإسرائيليّ من أن يعيش ويتنقّل بين عمله وسكنه ومناطقه الحيويّة من دون الحاجة الى أي علاقة الفلسطينيّ (ولا حتّى أن يرى شكل القرية الفلسطينيّة)
 

داخل الأرض المحتلّة عام 1948، تعتمد إسرائيل استراتيجيّة تخطيط واضحة: إنها تحوّل القرى والمدن الفلسطينيّة إلى بؤرٍ سوداء غير قابلة للتوسّع من خلال صندوق أدوات لمحاصرتها يشمل الأوتوسترادات، الجدران، المناطق العسكريّة، المستوطنات، سكك القطار، وغيرها.. فنجد أن هدم البيوت في منطقتي الجليل والمثلث يشغل إسرائيل بالأساس عندما تكون البيوت مشيّدة دون ترخيص في منطقة تخترق "حدود" البلدة، وقلّما تُهدم في داخل هذه البلدات (وهذا لا يعني أنها لا تمارس عقوبات أخرى ضد من يبنون دون ترخيص، كالمخالفات الماليّة الخياليّة وعقوبات السجن). وواحدة من الأدوات الكثيرة المستخدمة في التخطيط الإسرائيليّ هي "الشوارع الالتفافيّة"، وهي الشوارع التي تصل بين المستعمرات الإسرائيليّة ومواقع مركزيّة في "الدولة" (مُدُن كبيرة ومفارق طرق مركزيّة وغيرها..) دون حاجة للمرور من قلب القرى والمدن الفلسطينيّة. أداة أخرى هي إلغاء الطرق المباشِرة بين البلدات العربيّة والأوتوسترادات. هذه الأدوات، مجتمعة، يُمكن اعتبارها أدوات لفصل البؤر الفلسطينيّة السوداء عن المساحة العامّة في "الدولة"، بمعنى أن يتمكّن الإسرائيليّ من أن يعيش ويتنقّل بين عمله وسكنه ومناطقه الحيويّة من دون الحاجة إلى أي علاقة الفلسطينيّ (ولا حتّى أن يرى شكل القرية الفلسطينيّة).

مثال وادي عارة

أحد الأمثلة المقلقة لإسرائيل بهذا الشأن هو "شارع 65"، وهو أوتوستراد طوله 90 كيلومتراً يربط بين أعلى الجليل (شمال غربي بحيرة طبريّا) والساحل (جنوب قيساريّة). ويُعتبر الشارع شرياناً رئيسياً للوصول من شمال الأرض المحتلّة إلى تل أبيب. مشكلة إسرائيل الأساسيّة في هذا الشارع تنبع من كون أحد أضيق مقاطعه يمرّ من طريق وادي عارة التاريخيّة (وعمرها آلاف السنوات)، إذ تقوم على سفوح هذا الوادي عدد من المدن والقرى الفلسطينيّة، ومنها أمّ الفحم وعرعرة وعارة وكفر قرع وغيرها. كل الاحتجاجات السياسيّة المفصليّة التي شهدها الداخل الفلسطينيّ شهدت قطعاً لهذا الطريق، مثل "أحداث الروحة" (1998) التي تواصلت فيها الاشتباكات لستة أيام احتجاجاً على مشروع مصادرة أراضي منطقة "الروحة"، وصولًا إلى مواجهات الانتفاضة الثانية حيث استشهد شابين في المنطقة.
 

حرب إسرائيل لسرقة الأرض وهدم البيت وتهجير الإنسان مُمْعنة في ديناميّتها، متغيّرة ومركّبة ولا تقبل الجمود. بالمقابل، فمن الواجب أن ينظر صنّاع التقاليد إلى الواقع، وألا تبقى المسيرات جولة لتبخير أزقّة القرى ضدّ عفاريت النسيان المُخيفة

 

تصرّفت إسرائيل بمنطق حربيّ مع مسألة "فتح شارع وادي عارة"، مستخدمة القنّاصة والإطلاق الكثير للرصاص الحيّ، ووصولًا إلى احتجاجات مخطط برافر (2013) حيث شهدت المنطقة قمعاً عنيفاً للمتظاهرين لمنعهم من الوصول إلى هذا الشارع. اليوم، وبعد عقود من بناء المستوطنات لقطع الامتداد الجغرافي بين البلدات الفلسطينيّة في المنطقة، صارت الخرائط الإسرائيليّة جاهزة لتجديد هذا الشارع بشكلٍ لا يترك طريقاً مباشراً بين الشارع والقرى والمدن الفلسطينيّة على أطرافه.

بؤس ادعاء "عقر دارهم"

في ثنائيّة المحافظة الفلكلوريّة مقابل التقاعس والعدميّة، يتبنّى الطرف الأخير خطاباً يؤكّد على انعدام نجاعة مسيرة يوم الأرض، وعدم تأثيرها في ظل الواقع الخطير الذي نعيشه. إلا أن هذه الأصوات، وإن كانت تعتمد قولاً حقاً، تقع أيضاً في إشكاليّة أكثر خطورة من التحجّر والمحافظة السياسيّة، إذ يكون الادعاء الأساسيّ هو "واجب التظاهر في مراكز إسرائيليّة"، تل أبيب أو المراكز الحكوميّة الإسرائيلية مثلًا. وهو توجّه خطير إذ يعتبر (وهو مقتنع) بأن علاقة القمع والسلب والعنصريّة هي قضيّة سياساتيّة يُمكن تغييرها بـ"إقناع الرأي العام الإسرائيلي"، أو "إسماع صوتنا للحكومة". وهو خيار اندماجيّ يعتبر نضال الفلسطينيين في إسرائيل نضال "شريحة" ضد سياسات عنصريّة، دون أن يعي موقعه في ميزانٍ أيديولوجيّ استعماريّ، ودون أن يتنبّه إلى طبيعة علاقة النفي بينه وبين النظام، ووجوديّة صراعنا مع الصهيونيّة. وهو يتبنّى (بشعبويّة مذهلة) منطقاً حوارياً في الهامش "الديمقراطي" الذي يسمح به النظام العنصري، وليس منطقاً نضالياً يضع الناس، وعلاقتهم بالمكان والبيت والأرض والبلد، في مركز تفكيره، وهو أقصر من أن يبتعد ليفكّر بضرورة أن يتحوّل المجتمع، ببيوته وشوارعه وأمكنته، إلى حاضنة للنضال. ليس "الكزدرة" (التنزه) داخل الغيتّو هي ما يُرعب الاستعمار، ولا ظهورنا بتصريحٍ رسميّ منه لساعتين في تل أبيب. إنما سعينا الفعليّ والماديّ لاختراق الحدود المفروضة علينا – هذا ما يُرعبه.

 

عبد الرحمن قطناني - فلسطين

 

حرب إسرائيل لسرقة الأرض وهدم البيت وتهجير الإنسان مُمعنة في ديناميّتها، متغيّرة ومركّبة ولا تقبل الجمود. بالمقابل، فمن الواجب أن ينظر صنّاع التقاليد إلى الواقع، وألا تبقى المسيرات جولة لتبخير أزقّة القرى ضدّ عفاريت النسيان المُخيفة. إن الذاكرة التي يصنعها الفلكلور تبقى ضعيفة وهشّة لأنّها لا تحمل في طيّاتها دوافع الفعل والحركة والنهوض. لأنها تقول للناس أننا لا نستطيع أن نكرر العظمة التي كانت. بيدّ أن الحقيقة مختلفة، ونستطيع، في يوم الأرض أن نرفع رؤوسنا ونمشي خارجين من ثقوبنا السوداء نحو أقرب مساحة صادرتها إسرائيل وحجبتنا عنها. هناك، سنجد أدوات القمع والترهيب والتخويف، مقنّعة ومدججّة وفولاذيّة، يجنّ جنونها وهي ترانا، بتعدديّتنا اليانعة، نفتح بأجسادنا ووجوهنا بوّابات السواد التي تحبسنا.

مقالات من فلسطين

ربع الأسر في غزة تعيلها نساء

إصرار نساء غزة على العمل جعل الصورة النمطية السائدة في المجتمع تتأقلم مع الواقع المفروض، ولا سيما بعد ثلاثة حروب متتالية على القطاع. فقد ارتفعت نسبة النساء المعيلات الرئيسيات لعائلاتهن،...

للكاتب نفسه

وباءٌ في بلادٍ ممزّقة: تقرير من فلسطين

مجد كيّال 2020-04-09

العجلة والتشديد في فرض اجراءات الحجز يشيران إلى إدراك السلطات ووعيها لكارثيّة الأوضاع الصحية والطبية، ولحقيقة أنّ تفشي مثل هذا الوباء في مكانٍ مثل قرانا ومدننا ومخيّماتنا -بما فيها من...