تنافس البرهان - حميدتي يضع السودان على "فوهة بندقية"

تتزايد حالة التصعيد العسكري بين الجيش والدعم السريع بينما تتعثر فرص وصول الاتفاق الإطاري إلى مرحلته النهائية، على الرغم من الاجتماعات المنتظمة والمستمرة مع المسهلين الدوليين.
2023-03-22

شمائل النور

كاتبة صحافية من السودان


شارك
قوات الدعم السريع

على نحو مفاجئ، تبدّل خطاب قادة الجيش السوداني حيال "قوات الدعم السريع" التي يتزعمها محمد حمدان دقلو، المعروف أيضاً بـ "حميدتي"، وينوب عنه شقيقه عبد الرحيم دقلو الذي بات يلعب دوراً محورياً، سياسياً وعسكرياً، في أعقاب انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021.

تبدّل الخطاب تماماً: من "الدعم السريع خرج من رحم الجيش" إلى "ضرورة دمج الدعم السريع"! وأظهر قادة الجيش، عبد الفتاح البرهان وشمس الدين كباشي وياسر العطا، خطاباً موحداً وذلك في مناطق مختلفة من السودان. خلاصة الخطاب أن الجيش لن يسمح للدعم السريع بالتمدد، ولن يكون مقبولاً ليّ ذراع الدولة، وأنّ دمج جميع المجموعات المسلحة ينبغي أن يتم على وجه السرعة، والمقصود هنا طبعاً "الدعم السريع" والحركات المسلحة الموقِّعة على اتفاقيّة السلام في تشرين الأول /اكتوبر 2020. تبدو قضية دمج هذه الحركات واضحة بنصوص اتفاق السلام وفقاً لبند الترتيبات الأمنية المعروف، وإن كانت بعض الحركات تتحفظ على الدمج للمحافظة على نفسها بوجه موازين القوى التي لم يتضح بعد لمن الغلبة فيها.

بعض هذه الحركات تحتفظ بمقاتليها في الداخل الليبي ولا تكشف عن أعدادها الحقيقية، وحجتها في ذلك أن المؤسسة العسكرية تحتاج إلى إصلاح قبل اكتمال عمليات الدمج والتسريح، وهي حجة ظاهرها صحيح لكنها تُبطِن عدم ثقة بين جميع الفاعلين السودانيين من مدنيين وعسكريين. ويتوزع ولاء هذه الحركات بين "الجيش" و"الدعم السريع"، لكنه ولاء غير نهائي، باعتباره محفوفاً بالتوجس، ما يجعله قابلاً للتبدّل.

غير أن الوضع مختلف مع قوات "الدعم السريع" التي تنتشر في كافة ولايات السودان، وتتمركز بشكل رئيسي في العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور، حيث لها السيطرة الفعلية في هذا الإقليم المأزوم، ولا يمكن التعامل معها عبر "اتفاق سلام" فهي لم تكن في حرب مع الجيش، بل كانت مسانِدة له، إلى جانب أنها باتت تلعب دوراً سياسياً رئيسياً منافساً للجيش.

وكان جهاز الأمن إبان عهد البشير قد أسس "الدعم السريع"، الذي نشأ كمليشيا من قبائل عربية في دارفور امتداداً لما يعرف بـ"الجنجويد" قبل أن يُصدر البرلمان في 2017 قانوناً خاصاً بها.

وقد ساندت هذه القوة الجيش في حربه ضد الحركات المتمردة وأثبتت جدارة عسكرية في كافة المعارك التي خاضتها، وبات قائدها مقرباً من البشير الذي كان ينظر لها كجيشه الخاص إذا اهتز كرسيه، وكثيراً ما باهى بها في الخطابات الرسمية والجماهيرية. وقد حازت على استقلال اقتصادي وعسكري كبير حتى تحولت لجيش موازٍ وأنشأت تحالفات إقليمية استطاعت أن تؤثر بفاعلية في العمل السياسي بعد "ثورة ديسمبر" 2018.

ما الذي استجد بين القادة العسكريين؟

صحيح أن المتابع للمشهد السوداني يقرأ جيداً تعقيده، عسكرياً وسياسياً، وقد تأزم الوضع بشكل أكبر بعد انقلاب البرهان وحميدتي على شركائهم المدنيين في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وهو الانقلاب الذي فشل فعلياً ولم يتمكن من تشكيل حكومة، مع استمرار تعليق الدعم الدولي للسودان.

بعض الحركات المسلحة تحتفظ بمقاتليها في الداخل الليبي ولا تكشف عن أعدادها الحقيقية، وحجتها في ذلك أن المؤسسة العسكرية تحتاج إلى إصلاح قبل اكتمال عمليات الدمج والتسريح، وهي حجة ظاهرها صحيح لكنها تُبطِن عدم ثقة بين جميع الفاعلين السودانيين من مدنيين وعسكريين. ويتوزع ولاء هذه الحركات بين "الجيش" و"الدعم السريع"، لكنه ولاء غير نهائي، باعتباره محفوفاً بالتوجس، ما يجعله قابلاً للتبدّل.

حاول حميدتي مراراً التملص من مسؤوليته عن الانقلاب بإقراره العلنيّ بفشله. ثم بعد أن أتيح للفاعلين الدوليين إقناع "الحرية والتغيير" (وهي تحالف سياسي رئيسي) والجيش و"الدعم السريع" بالتوقيع على اتفاق إطاري - في كانون الأول/ ديسمبر 2022 - يخص إنهاء أزمة الانقلاب واستعادة المسار الانتقالي، حتى تصدى حميدتي للدفاع عن هذا الاتفاق وتأكيد الالتزام به والترويج له كمخرج أوحد للبلاد، بينما أظهر قائد الجيش تملصاً متكرراً منه، متمترساً خلف "ضرورة توسيع المشاركة"، وهو الأمر الذي يعتبره تحالف "الحرية والتغيير" إغراقاً للموضوع.

وقد منح الاتفاق الإطاري وضعية أكثر استقلالاً لـ "الدعم السريع" مُقرّاً بتبعيتها لرأس الدولة المدني، جنباً إلى جنب مع الجيش، مما خلق تذمراً وسط قادة القوات المسلحة.

الخطاب والخطاب المضاد بين العسكريين نشأ عنه تحالف غير معلن بين "الدعم السريع" و"الحرية والتغيير"، بحكم تطابق المواقف من الاتفاق الإطاري الذي تحرص عليه "الحرية والتغيير" وتنظر له كحل سياسي بديل عن الحرب الأهلية. بالمقابل اصطفّ قادة الحركات المسلحة الرئيسية الموقعة على اتفاق السلام السابق عليه، بجانب الجيش. وهذه الحركات كانت حاضنة لانقلاب 25 تشرين الاول/ أكتوبر 2021.

ويبدو أن هذا الوضع الذي ينظر إليه تحالف "الحرية والتغيير" باعتباره انحيازاً من "الدعم السريع" للقوى المدنية بشكل أكبر من انحياز الجيش، خلّف حالة من التوتر العسكري، دفعت بقادة الجيش لمحاولة فك الارتباط بين "الحرية والتغيير" و"الدعم السريع" تارة بالتلويح بالتملص من الاتفاق الإطاري وتارة بإثارة موضوع دمج "الدعم السريع" في الجيش.

ميزان القوى بين الطرفين، "الجيش" و"الدعم السريع"، لا يميل لصالح أحد الطرفين، وهو لو كان كذلك لوقعت المواجهة باكراً وبتكلفة أقل، فما يحدث من تصعيد عسكري هو في الأصل ضغط سياسي بأدوات عسكرية، لكن من غير المعروف إن كان الوضع قابلاً للانفجار الفعليّ أم لا.

لن يرضخ "حميدتي" بسهولة لعملية الدمج التي يَنظر إليها باعتبارها ستتسبب بنهايته، أو هو على الأقل يريدها وفقاً لخطته، أي أن تُدمج قواته في الجيش لكن أن يكون هو صاحب اليد العليا، وربما يتطلع للاتفاق على سنوات أطول لدمج قواته، بالتزامن مع عملية إصلاح داخل مؤسسة الجيش التي يسيطر على قيادتها تنظيم الإخوان المسلمين. 

ولم تتوقف حالة الشد عند الخطب السياسية والتصريحات، بل تعدت ذلك إلى تحشيد عسكري على الأرض. ونقلت تقارير صحافية على مدى أكثر من شهر حالة استعداد قصوى وسط الجيش و"الدعم السريع" ورُصدت حركة انتقال مقاتلين واسعة من خارج الخرطوم إلى داخلها وشوهدت الدبابات والسيارات العسكرية تتحرك وسط العاصمة، وبعضها تمركز في مناطق استراتيجية مثل القصر الجمهوري.

تتزايد حالة التصعيد العسكري بين الجيش والدعم السريع بينما تتعثر فرص وصول الاتفاق الإطاري إلى مرحلته النهائية، على الرغم من الاجتماعات المنتظمة والمستمرة مع المسهلين الدوليين.

لمن الغلبة؟

الواضح أن ميزان القوى بين الطرفين، "الجيش" و"الدعم السريع"، لا يميل لصالح أحد الطرفين، وهو لو كان كذلك لوقعت المواجهة باكراً وبتكلفة أقل، فما يحدث من تصعيد عسكري هو في الأصل ضغط سياسي بأدوات عسكرية، لكن من غير المعروف إن كان الوضع قابلاً للانفجار الفعليّ أم لا. والضغط السياسي متبادَل بين الطرفين، فكلما مانع حميدتي في دمج قواته صعّد الجيش عسكرياً، وكلما صعّد قادة الجيش خطابهم ضد "الدعم السريع" سارع حميدتي إلى التحشيد العسكري، حتى صار الجميع يشتمُّ رائحة الحرب.

لم تتوقف حالة الشد عند الخطب السياسية والتصريحات، بل تعدت ذلك إلى تحشيد عسكري على الأرض. ونقلت تقارير صحافية على مدى أكثر من شهر حالة استعداد قصوى وسط الجيش و"الدعم السريع" ورُصدت حركة انتقال مقاتلين واسعة من خارج الخرطوم إلى داخلها وشوهدت الدبابات والسيارات العسكرية تتحرك وسط العاصمة، وبعضها تمركز في مناطق استراتيجية مثل القصر الجمهوري.

الذي لا شك فيه هو أن حميدتي لن يرضخ بسهولة لعملية الدمج التي يَنظر إليها باعتبارها ستتسبب بنهايته، أو هو على الأقل يريدها وفقاً لخطته، أي أن تدمج قواته في الجيش لكن أن يكون هو صاحب اليد العليا، وربما يتطلع للاتفاق على سنوات أطول لدمج قواته بالتزامن مع عملية إصلاح داخل مؤسسة الجيش التي يسيطر على قيادتها تنظيم الإخوان المسلمين. وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان يدرك تماماً أن المحافظة على كرسيه يتطلب موازنات دقيقة تفادياً لأي مواجهات حقيقية قد تفقده قدرأ كبيراً من السلطة.

كما أنّه يعلم أن وضعه في الجيش تخلخل كثيراً بعد إقدامه على انقلاب لم يتمكن من قيادته للأمام ويدرك أن الخطاب المناوئ لـ "الدعم السريع" يروق لضباط الجيش ويكسبه بينهم ثقة مفقودة، خاصة وأنه كان منحازاً لحميدتي طيلة السنوات الماضية. بل إن الوضع الذي حاز عليه قائد "الدعم السريع" ما كان ليحصل عليه بدون البرهان.

التصعيد العسكري سوف يستمر كورقة ضغط سياسية يستخدمها كل طرف ضد الآخر، والراجح أن حميدتي سوف يقاوم حتى الرمق الأخير، وإلى أن يصل إلى معادلة تحفظ له امتيازاته ومكاسبه، وهذا ليس فقط لأنه صاحب طموح سياسي منافس لقائد الجيش، بل لأنه ينظر للأمر باعتباره حصاد ما زرعه طيلة سنوات البشير. 

مقالات من السودان