اتفاق البرهان - حمدوك: الضغط الدولي يتجاهل المجتمع السوداني

الاتفاق بين البرهان وحمدوك كامل الهشاشة، ليس فحسب بمحتوى بنوده وكمية المآزق الدستورية التي ستواجهه، إنما بانعدام الثقة، وتوقع الغدر بين كل الذين اجتمعوا عليه، سواء بين البرهان ونائبه والحركات الداعمة لهما، أو بين البرهان وحمدوك.
2021-11-30

شمائل النور

كاتبة صحافية من السودان


شارك
عبد الله حمدوك وعبد الفتاح البرهان

بعد أقل من شهر على انقلاب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان في 25 تشرين الأول/ أكتوبر، أُعلن عن اتفاق سياسي - ثنائي، بينه وبين رئيس الوزراء المُقالة حكومته، عبد الله حمدوك، وهو الأمر الذي أثار استفهامات كثيرة حول الاتفاق الهش الذي يحاول شرعنة انقلاب أكثر هشاشة، أثار سخطاً خارجياً واسعاً، وكذلك وبالضرورة داخلي. وهذا في مجمله - الانقلاب والاتفاق - نتيجة منطقية لتوازن الضعف الذي حكم الفترة الانتقالية منذ سقوط البشير في نيسان/ أبريل 2019.

ابتداءً، بعد التوقيع مباشرة، برز سؤال مهم وجوهري، وقد تساعد الإجابة عليه في تفكيك استفهامات كثيفة أحاطت بالانقلاب والاتفاق: هل كان حمدوك جزءاً من ترتيبات العملية الانقلابية التي تهدف ظاهرياً للتخلص من الأحزاب السياسية الممثلة في تحالف "الحرية والتغيير؟ أم أن الانقلاب ناسب هواه، فارتضى العودة بشروط البرهان.

معلوم للجميع حجم شقة الخلاف بين "الحرية والتغيير" وحمدوك خلال الفترة الأخيرة. فقد ظلت هذه الأحزاب عقبةً أمام انسياب عمل رئيس الوزراء، وهو ما قاله مراراً في اجتماعاته، ما اضطره إلى طرح مبادرة سياسية قابلتها أحزاب "الحرية والتغيير" بتكتل كبير استطاعت من خلاله إرجاع بعض الغاضبين إلى حظيرتها. ومع تفجر أزمة انتقال الرئاسة إلى المكون المدني تصاعدت حدة الخلافات بين أطراف "الحرية والتغيير"، وانتهت باعتصام أحد أطرافه أمام القصر دعماً للبرهان وللدعوة صراحةً للانقلاب. وقبل الانقلاب بيومين قال حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي - أبرز المطالبين بحل الحكومة - في تصريح صحافي إن البرهان وحمدوك توافقا على حل الحكومة (مجلس السيادة ومجلس الوزراء) واختلفا حول الآلية. لكن مكتب رئيس الوزراء سارع إلى نفي هذا التصريح على نحو خجول.

المطبخ السري للانقلاب وخريطة "المواقف"

بعد الانقلاب بأيام معدودة، سارعت بعض الشخصيات لإنقاذ الوضع عبر طرح مبادرات تسوية تتيح إعادة الوضع الدستوري، للخروج من مطب الانقلاب. صاحَب ذلك حراك دولي وإقليمي متصاعد يسعى بين البرهان وحمدوك لـ"إعادة الوضع"، أي إن المقصود بالضرورة هو عودة حمدوك متخففاً من حاضنته ("الحرية والتغيير") التي اُقتيدت إلى المعتقلات بعدما جمّد قائد الجيش كل مواد الشراكة في الوثيقة الدستورية. ويُعتقد على نطاق ضيق في أوساط "الحرية والتغيير"، أن الهدف الأول من الانقلاب هو التخلص من "الحرية والتغيير"، وهذا ما أكده الإعلان السياسي الموقّع بين البرهان وحمدوك. أما الخطوة الثانية وهي الأصعب، فالتخلص من ميليشيا الدعم السريع التي تتبع لنائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو، وبعض الحركات المسلحة المتحالفة معه، وهي - هذه الخطوة - واحدة من طلبات المجتمع الدولي لبناء جيش موحد، وهي تأتي متوافقةً مع الموقف المصري الداعم للجيش السوداني. ولمصر رأي واضح من وجود قوات الدعم السريع، اتخذته في وقت مبكر، وحاولت أن تقنع به بقية دول المحور الداعم للحكومة الانتقالية في مكونها العسكري.

كان الانقلاب ثم الاتفاق الحاصل، كلاهما، نتيجةً منطقية لتوازن الضعف الذي حكم الفترة الانتقالية منذ سقوط البشير في نيسان/ أبريل 2019.

لكن محمد حمدان دقلو (حميدتي) بقي ضمن هذا التحالف الانقلابي قصير العمر. فبعد الانقلاب مباشرة، نوى قائد "الدعم السريع" نفض يده من الانقلاب، بعدما تسربت إليه معلومات حول المجموعة التي شكلت مطبخ العملية. إذ تبين له أن إسلاميين وراء انقلاب البرهان. ودقلو يعلم أن الإسلاميين - إذا ما عادوا - فستكون نهايته. وهذا بناء على اتفاق سري بين البرهان ووزير المالية الإسلامي جبريل إبراهيم لإعلان الأخير رئيساً للوزراء بديلاً لحمدوك، الأمر الذي جعل دقلو يتمسك بعودة الأخير لقطع الطريق أمام حلفاء البرهان من الإسلاميين، بعدما كان يرفض عودته بشكل مطلق في السابق.

سارع جبريل لتأييد قرارات البرهان ووصفها بأنها تصحيحية، وظل بعد الانقلاب يعارض المساعي الحثيثة لعودة حمدوك. لكن بعض الدول الغربية المؤثرة والداعمة للمرحلة الانتقالية في السودان اشترطت إبعاد جبريل من وزارة المالية في المرحلة المقبلة. وبعودة حمدوك لرئاسة الوزراء فإنه من المؤكد أن أول الخاسرين من هذا الانقلاب هو أكبر الداعمين له: جبريل إبراهيم! وإذا ما استجاب البرهان وحمدوك للضغوط الغربية بإزاحة جبريل فإن البرهان يكون قد خسر حليفاً رئيسياً له. والراجح أن يتخلى البرهان ولو مؤقتاً عن حلفائه الذين مهدوا لانقلابه بخنق المشهد السياسي، وإن كان بعضهم يُدرك أن الاتفاق مع البرهان غير مأمون.

ما الذي تغيّر خلال الساعات التي سبقت الاتفاق

إذاً، فالضغط الدولي لم يتوقف منذ يوم الانقلاب. وبعدما طوى العسكريون صفحة حمدوك تماماً، وطُرحت الخيارات البديلة، عُقد اجتماع ليلي ضم البرهان ونائبه حميدتي وحمدوك نفسه، حسم عودة رئيس الوزراء إلى موقعه بعدما وصل الضغط الأمريكي ذروته، وتدخلت مصر لتليين موقف العسكريين إزاء عودة حمدوك لتهدئة الشارع الملتهب. هذا الموقف الخارجي جاء على هوى دقلو (حميدتي) تماماً، أما حمدوك الذي قبل العودة بلا أي شروط، على عكس ما كان يصرح به مكتبه إبّان إقامته الجبرية، فيبدو أنه هو الآخر استجاب لضغط حلفائه الغربيين متخلياً عن حاضنته التي صارت تنظر إليه كخائن.

المقصود بـ"إعادة الوضع" بعد الانقلاب هو عودة حمدوك متخففاً من حاضنته التي اُقتيدت إلى المعتقلات، بعدما جمّد قائد الجيش كل مواد الشراكة في الوثيقة الدستورية. ويُعتقد أن الهدف الأول من الانقلاب هو التخلص من "الحرية والتغيير"، أما الخطوة الثانية، وهي الأصعب، فالتخلص من "ميليشيا الدعم السريع" وهي واحدة من طلبات المجتمع الدولي لبناء جيش موحد، وتتوافق مع الموقف المصري.

بجلاء: جاء الاتفاق الثنائي بشكل حاسم نتيجة ضغوط دولية ونصائح إقليمية، وهي كلها تشترط بالأساس عودة حمدوك لمنصبه مهما كلّف الثمن. وقد انعكست قوة هذه الضغوط في عدم الارتياح الذي بان على وجهي البرهان وحمدوك سوياً في منصة التوقيع الرئيسية، وإن كان الشارع نفسه عقب الانقلاب نادى بعودة حمدوك، غير إن الوضع تغيّر بعد مجزرة 17 تشرين الثاني/ نوفمبر والتي قُتل فيها 15 متظاهراً. وتحصي لجنة الأطباء المركزية عدد ضحايا الانقلاب بأنها 42 قتيلاً، بينما يتلقى عشرات المصابين العلاج في المستشفيات. لربما كان يمكن لهذا الاتفاق، وبتحسين بسيط، أن يكون مقبولاً في الشارع لو حدث قبل أن تسيل هذه الدماء. أما وقد ارتكبت سلطات الانقلاب هذه المجازر، ومضى قائد الجيش في إجراء إعدادات وتعيينات واسعة أعاد بها بعض كوادر النظام البائد، فهذا أغلق الباب تماماً على ارتضائه، ولم يعد مقبولاً بأي حال عودة حمدوك بوجود قائد الجيش.

التوصل لهذا الاتفاق الثنائي، هو باختصار انتصار لمطالب المجتمع الدولي. بالضبط مثلما حدث في توقيع الوثيقة الدستورية بين العسكريين والمدنيين عقب مجزرة فض الاعتصام في حزيران/ يونيو 2019، والتي أعقبتها مليونية هائلة، رفعت شعاراً موحداً، وهو إسقاط المجلس العسكري. ولو استجابت قوى "الحرية والتغيير" وقتذاك للشارع، ونفضت يدها من أي تفاوض، لتغيرت المعادلة حينها. لكن يبدو أنه وكلما سالت الدماء غزيرة في هذه البلاد، هبّ البعض لغسل أيدي العسكر منها، ودفع الجميع إلى طاولات التفاوض على أشلاء الضحايا.

هذه المرة كانت للمجتمع الدولي اليدُ القوية في شرعنة الانقلاب بإعادة حمدوك إلى موقعه، والمجتمع الدولي ممثلاً بالولايات المتحدة الأمريكية تارةً، وبدول الترويكا تارةً أخرى يتحدث عن حمدوك باعتباره رمز الحكم المدني. نغمة التصعيد التي رفعتها الولايات المتحدة منددةً بالانقلاب، ومناديةً بعودة حمدوك تجاوزت اللغة الدبلوماسية، وهذا ما ظهر في حديث المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي "جيفري فيلتمان" الذي وصف البرهان بالكذاب، كما سارعت أميركا بالتلويح بالعقوبات، وأوقفت على إثر ذلك عدداً من المساعدات للسودان. ومع كل تصريح للإعلام راحت تشترط عودة حمدوك دون التمسك الواضح بضرورة أن يتراجع البرهان عن إجراءاته الانقلابية.

لربما كان يمكن لهذا الاتفاق، وبتحسين بسيط، أن يكون مقبولاً في الشارع لو حدث قبل أن تسيل الدماء. أما وقد ارتكبت سلطات الانقلاب المجازر، ومضى قائد الجيش في إجراء إعدادات وتعيينات واسعة أعاد بها بعض كوادر النظام البائد، فهو ما أغلق الباب تماماً على ارتضائه.

يكرر الواقع اليوم سيناريو توقيع الوثيقة الدستورية بين العسكريين والمدنيين الذي أعقب مجزرة فض الاعتصام في حزيران/ يونيو 2019. ويبدو أنه كلما سالت الدماء غزيرةً في هذه البلاد، هبّ البعض لغسل أيدي العسكر منها، ودفع الجميع إلى طاولة التفاوض على أشلاء الضحايا. 

ربما ظن "المجتمع الدولي" أن عودة حمدوك سوف تمتص غضب الشارع، وهو بدا مهموماً بشكل مزعج بعودة حمدوك كيفما اتفق. فالغربيون ينظرون إلى حمدوك باعتباره الرجل الأول بالنسبة لهم، ربما يكون في بالهم أيضاً الشعبية الجارفة التي طوّقت الرجل منذ ورود اسمه مرشحاً لرئاسة الحكومة. لكن الثابت أن الشارع لا كبير له، فموجة الغضب العارمة التي صاحبت ساعات التوقيع على هذا الاتفاق كانت كافية لإعادة فهم رسائل الشارع مرة أخرى، الذي وضع كل ثقته في حمدوك، بل منحه تفويضاً لم تحصل عليه أيٌّ من القوى السياسية، باعتباره بلا علاقة له بأي تنظيم سياسي. لكن وبالمقابل، فإن الذي بين الشارع وحمدوك هو عهد الثورة، فإن نقض حمدوك هذا العهد فـ"لا مكان له"، وهو ما نطقت به هتافات المواكب التي تزامنت مع التوقيع، ثم أعقبتها مواكبُ هادرة بعد ثلاثة أيام من التوقيع.

هذا الاتفاق كامل الهشاشة، ليس بمحتوى بنوده وكمية المآزق الدستورية التي ستواجهه فحسب، إنما بانعدام الثقة وتوقع الغدر بين كل الذين اجتمعوا عليه، سواء بين البرهان ونائبه والحركات الداعمة لهما، أو بين البرهان وحمدوك. 

مقالات من السودان

للكاتب نفسه