الجيل الثالث من الحروب

تنتمي "القبة الحديديّة" التي نشرتها إسرائيل بعد انتهاء حرب تموز/يوليو 2006 مع لبنان، الى "الأسلحة الهجومية المستقلة" القائمة على "الذكاء الاصطناعي". إسرائيل كانت سبّاقة في اعتماد هذا النظام، والوظيفة التي تؤديها "القبة الحديدية" هي رصد الصواريخ القادمة وتحديد موقعها وإرسال معلومات تتعلق بمسارها إلى مركز التحكّم الذي يقوم بدوره بحساب الموقع الذي يمكن أن
اللوحة للفنان السوري الدانماركي دزيفاكو دونكان

تنتمي "القبة الحديديّة" التي نشرتها إسرائيل بعد انتهاء حرب تموز/يوليو 2006 مع لبنان، الى "الأسلحة الهجومية المستقلة" القائمة على "الذكاء الاصطناعي". إسرائيل كانت سبّاقة في اعتماد هذا النظام، والوظيفة التي تؤديها "القبة الحديدية" هي رصد الصواريخ القادمة وتحديد موقعها وإرسال معلومات تتعلق بمسارها إلى مركز التحكّم الذي يقوم بدوره بحساب الموقع الذي يمكن أن يسقط به الصاروخ. فلو كان سيتسبب بأضرار كبيرة، يتمّ اعتراضه بصاروخٍ مضادّ.
بدأت إسرائيل بتصنيع هذه الأجهزة في العام 2007. وبعد سلسلة من الاختبارات بين عامي 2008 و2009، نصبت أولى الوحدات في جنوب فلسطين المحتلة (العام 2011). وتقدر تكلفة كل وحدة بنحو خمسين مليون دولار أميركي، بينما تصل قيمة الصاروخ الواحد إلى 62 ألف دولار.
الولايات المتحدّة الأميركية التي طورت منذ 1980 تكنولوجيا "الدفاع ذاتي التصرّف" عبر نظام "فالانكس" الصاروخي للبحرية الأميركية القادرة بذاتها وباستقلال، على القيام "بالبحث والتتبع والمقاتلة والقتل" كما يقول مسؤولوها.. احتضنت نظام القبة الحديديّة في إسرائيل، فوافق مجلس النواب الأميركي في أيار/ مايو 2010، على ميزانية دعم لها قُدّرت بـ205 مليون دولار أميركي، وفي تموز / يوليو 2012 جدّد الرئيس باراك اوباما صرف سبعين مليون دولار من خزينة الدولة لدعمها.
نظام "القبة الحديديّة" هو فعليّاً واحد من أنظمة متعدّدة الطبقات وضعتها إسرائيل في السنوات الأخيرة لمواجهة الصواريخ الباليستية (صاروخ يتّبع مساراً منحنياً، وهو مسار يتأثّر حصراً بالجاذبيّة الأرضيّة والاحتكاك الهوائي)، خاصة أن التوقعات تشير إلى أنه سيمكن توجيه هذه الصواريخ بتركيز أكبر في الحروب العسكرية المقبلة. شركة "رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدّمة" المُصنّعة للقبة الحديديّة، قامت بتطوير نظام جديد من شأنه أن يوفّر صدّاً لقذائف الهاون التي لا تقْدر القبة الحديدية على اعتراضها نظراً لمداها القصير. النظام الجديد ("شعاع الحديد") يستخدم الليزر لتفجير القذائف في الجو.

الثورة الثالثة في تاريخ الحرب

التطوير في مجال الاسلحة يجري بخطى ثابتة نحو مشهد يبدو مرعباً فوق ما هي عليه الحروب عادة من إرعاب: معركة المقاتل الآلي أو "الروبوت". سيسير هؤلاء "الروبوت" بين الناس من دون حاجة لقدرة بشريّة تُحرّكهم. آلة معدنية قاتلة تحدّد أهدافها وتصوّب وتقتل وتدمر. قد تكون هذه الأفكار غير مُدرجة إلا في لائحة الخيال العلمي وأفلامه وألعابه التي تضج بمثل هذه الحروب. ولكن ما وصل إليه العلماء في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي وأسلحته ورجاله الآليين يجعل التصور واقعي تماماً.
الغد برجاله الآليين المنتظرين، المُقاتلين والقاتلين في آن، هو تحديداً ما شكّل محور اجتماع أكثر من ألف عالم تكنولوجي ومثقّف، وجّهوا رسالة مفتوحة إلى العالم مطالبين فيها الأمم المتحدة بفرض حظر ـ الآن وقبل فوات الأوان ـ على "الأسلحة المستقلة" أو تكنولوجيا "الروبوت" القاتل، حتى "لا يلحق الواقع بالخيال والأدب" في هذا المجال. انعقد "المؤتمر الدولي المشترك للذكاء الاصطناعي" في آخر شهر تموز / يوليو الماضي، في بيونس آيرس في الأرجنتين. شدّد العلماء في رسالتهم المفتوحة على أنّ عالَم "الأسلحة الهجومية المستقلّة" الذي تطوّر تطوراً هائلاً خلال الثلاثين سنة الماضية، ما زال اليوم في مرحلة الأنظمة الدفاعية، مع الإبقاء على الإنسان داخل حلقة التحكّم. ولكن، وبفعل التقدّم الهائل في مجال الذكاء الاصطناعي، فقد بات مُتوقّعاً وصول الأسلحة المستقلة إلى مرحلة تعيين الأهداف وتدميرها من دون تدخل بشري. وهذا خلال سنوات لا عقود. ودعا البيان الى القضاء على هذا الاحتمال في المهد.
من بين الموقّعين على النداء عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هاوكينغ (من أبرز علماء الفيزياء النظرية في العالم، وله أبحاث في علم الكون) ونعوم تشومسكي، والملياردير ايلون ماسك (مهندس كندي - أميركي ومخترع، اشتهر بتأسيس شركة "سبيس إكس" لتكنولوجيا الفضاء)، وستيف وزنياك مؤسس شركة "آبل". والسؤال الأساسي الذي طرحه الموقّعون يتعلق بما إنْ كان ينبغي انتظار انطلاق سباق تسلّح عالمي لأسلحة الذكاء الاصطناعي مستقلّة القرار، أم ينبغي قطع الطريق على هذا "التطور" أصلاً. والسؤال يتضمن قلقاً فلسفياً يتعلق بمفهوم المُباح والجائز. فهل القدرة على اختراع شيء تبيح وجوده واستخدامه؟ يقول العلماء في رسالتهم: "أي قوة عسكريّة كبيرة تقوم بالدفع نحو تطوير هذا النوع من الأسلحة في أي لحظة، ستجعل من سباق التسلح العالمي أمرا لا مفرّ منه، ونقطة النهاية لهذا المسار ستكون واضحة: أسلحة الذكاء الاصطناعي ستكون كلاشنيكوف الغد، وهذا ما يشكّل خطورة أكبر من خطورة الأسلحة النووية". وقالوا إن تلك الأسلحة المستقلة تمثل "الثورة الثالثة في الحرب"، بعد البارود والسلاح النووي. وهم يشيرون إلى رفض علماء الكيمياء والبيولوجيا إنتاج أسلحة فتاكة تستند إلى علومهم تلك، ويطالبون بتطبيق المبدأ نفسه على الذكاء الاصطناعي.
و "الروبوتات القاتلة المستقلة" حسب تعريف الأمم المتحدة هي منظومات أسلحة قادرة على أن تختار، بمُجرّد تشغيلها، أهدافاً معيّنة وتشتبك معها من دون الحاجة إلى تدخل إضافي من العنصر البشريّ. وإذا كان استخدام المرْكبات الجوية الحربية بلا طيار المعروفة بـ"Drones" يسمح حتى الآن بالإبقاء على العنصر البشري ضمن دائرة القرار، ولو عن بعُد، فإن الأمر سيتغير بمجرّد البدء باستخدام الروبوت المستقل القاتل.

أميركا واسرائيل الاكثر اهتماماً

أنفقت الولايات المتحدة على جهود استبدال الجندي الآدمي شيئاً فشيئاً بالإنسان الآلي، حوالي 6 مليارات دولار سنويّاً، ضمن برنامج الأنظمة غير المأهولة المُستخدمة في الحروب. وفي السياق، تتضمّن الوثائق السياسية للولايات المتحدة خططاً لزيادة استقلالية منظومة الأسلحة. ففي خريطة الطريق المتعلقة بـ "الأنظمة المتكاملة ذاتية التشغيل" للفترة الممتدة من 2011 إلى 2036، كتبت وزارة الدفاع الأميركية أنها "تتصوّر أنظمة غير بشرية تعمل بسهولة تامة مع أنظمة مأهولة، مع الحدّ تدريجيّاً من مستوى سيطرة الإنسان وصنع القرار الذي يتطلبه الجزء غير المسيّر بشرياً من هيكل القوة".
تقول خبيرة الأسلحة في منظمة هيومن رايتس ووتش ماري فاريهام، إنّها "تركز على ما سيجري حين سيخرج الإنسان من دائرة التحكم ونصل إلى الأسلحة المستقلة ذاتياً بالكامل". وهي تعمل مع منظمة العفو الدولية وغيرها على دفع الدول لسن قوانين محلية مانعة لتطوير الأسلحة المستقلة، وتنظيم لوائح بما تملكه منها، وتخشى أنه مع تطوير الدول لقدراتها التكنولوجية، فقد يختار الكثير منها الاتجاه إلى تغليب هذه الأسلحة "بسبب الفوائد التي قد تعود عليها"، والمقصود امتلاك هذه الاسلحة ميزات الاستجابة السريعة، والحدّ من المخاطر المباشرة على الجنود، والكلفة الأقلّ.. وفي أيار /مايو من العام الماضي، عقد اجتماع خبراء حول أنظمة الأسلحة الفتّاكة المستقلة في المقرّ الأوروبي للأمم المتحدة بجنيف، كان هدفه الشروع في توضيح حدود ومسؤوليات هذه الأنظمة من النواحي الأخلاقية والقانونية والاجتماعية. لم تتخذ قرارات في ذلك الاجتماع، ولكن إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية أبدتا اهتماماً بامتلاك هذا النوع من الأسلحة في المستقبل. وإسرائيل (مجدداً!) وكوريا الجنوبية تعتبران دولاً سبّاقة في امتلاك الأسلحة الذاتية التصرّف من خلال روبوتات الحراسة المسلحة التي تستطيع الكشف عن وجود البشر في محيطها، وإطلاق النار والقنابل. وهذه ما زالت تحتاج لضوء أخضر من الإنسان، أي من القيادة العسكرية المسيّرة لها، وفق تقرير للصحافي السويسري سيمون برادلي.

متوفرة وزهيدة الثمن

وترتكز المخاوف في نقطة أساسيّة تُعاكس مفهوم ونظام السلاح النووي: السلاح المستقلّ لا يتضمّن أية مواد أولية باهظة الثمن أو يصعب الحصول عليها. وهذا يعني أنّه سيصبح بإمكان أي قوة عسكرية إنتاجه بكثافة وبكلفة قليلة، "ولن يكون ظهوره في السوق السوداء إلا مسألة وقت، لينتهي بين أيدي الإرهابيين والطغاة وأمراء الحروب في العالم، وكلّ من يريد ارتكاب عمليات تطهير عرقيّة.." بحسب نداء العلماء.
والمعارضون لتطوير هذا النوع من الأسلحة لا ينفون الإمكانات الهائلة في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي لمصلحة الإنسانية، في نواحٍ كثيرة. أمّا إطلاق سباق التسلّح العسكري لهذه النوعيّة من الأسلحة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فهي "فكرة سيئة". الرفض لم يتوقّف عند المثقفين، بل وصل الى الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي أنفسهم، فأوضحوا الكيفيّة التي يجري فيها تطوير الابتكارات في هذا المجال، مشيرين إلى مدى خطورة مجرّد التفكير في الأمر العسكري!
وهناك أصلاً أسئلة تثيرها إشكاليات الحياة المشتركة مع رجال آليين في الأمور الحياتيّة العادية، فكيف بإدخالهم الى عالم الحرب؟ إذ إن استبدال الجنود بالآلات سيؤدي إلى تقليل الخسائر الإنسانية "للمالك"! وهذا يعني أن صنّاع الحرب وأقطابها سيندفعون إليها بسهولة أكبر ولن يوقفوها تحت ضغط الخسائر، بل يمكنها أن تمتدّ طويلاً..
بل يتخوف مطورو تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من انقلاب السحر على الساحر، أي من تفلت هذه الروبوتات بالكامل من سيطرة صانعيها، وحتى أن تحدث "ثورة روبوتيّة" كما نرى في بعض أفلام الرعب..
والمدير العام بالنيابة لمكتب الأمم المتحدة في جنيف مايكل مولر، قال العام الماضي خلال المناقشات حول موضوع الأسلحة الفتّاكة، إن "القوانين الدولية لا تتنبه في كثير من الأحيان للفظائع والمعاناة إلا بعد حدوثها". 


وسوم: العدد 159

للكاتب نفسه

عندما ترتاد امرأة شاطئاً عامّاً..

التهديد بالعري مقابل "حشمة" الحجاب المفروض، كما يحدث الآن بخصوص المايوه في الجزائر، هو الوجه الاخر للعملة نفسها. الاصل أن النساء لسن عورات للستر وان لهن حقوقاً مساوية للرجال في...

رمضان في تولوز: هل ترغبين بالتذوّق؟

عند السادسة مساءً يكتظّ الوسط التجاري الخاص بباغاتيل. تنزل النسوة مع أزواجهنّ وأولادهم لشراء ما ينقصهم قبل الإفطار. صفّ الناس لسحب المال من ماكينة البنك تجاوز الرصيف ليصل إلى الطريق...