قصص عن "قمّة الخيمة" في نواكشوط

فُضّت جلسة الخيمة وتفرّق الذين اجتمعوا تحت ظلّها وشاركوا في أعمال القمة العربية الـ27 التي اقتصرت على يوم واحد في 25 تموز/ يوليو، عكس العرف المتّبع سابقاً. قمّة اليوم الواحد لم تخرج بقرارات مثيرة ولا مؤثرة، وكان أهمها حسب ما جاء في بيانها تبنّي المبادرة الفرنسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية. تفرق الجمْع لتبقى الكثير من القصص.
2016-07-27

أحمد ولد جدو

كاتب ومدون من موريتانيا


شارك
نضال الخيري - فلسطين

فُضّت جلسة الخيمة وتفرّق الذين اجتمعوا تحت ظلّها وشاركوا في أعمال القمة العربية الـ27 التي اقتصرت على يوم واحد في 25 تموز/ يوليو، عكس العرف المتّبع سابقاً. قمّة اليوم الواحد لم تخرج بقرارات مثيرة ولا مؤثرة، وكان أهمها حسب ما جاء في بيانها تبنّي المبادرة الفرنسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية. تفرق الجمْع لتبقى الكثير من القصص.
كانت القمة مصدراً للكثير من الجدل في موريتانيا وسبباً لوقوع سجالات عديدة.. وهي أثّرت بشكل واضح في سير حياة المواطن الموريتاني، فتحضيراتها شلّت طرقاً بنواكشوط، لإعادة تأهيلها، في المناطق المخصصة للقمة والتي قد يراها الضيوف (وهي منطقة "تفرع زينة" تحديداً المترفة وبعض الأماكن المجاورة لها). وكانت تلك الأعمال من تمويل السعودية. المحاولات الترميمية أثارت بدورها جدلاً، حيث شابت صفقاتها شبهات الفساد، إذ كانت بالتراضي ومنحت لمقربين من الرئيس الموريتاني، وكانت مخرجاتها دون المنتظر مقارنة بالأموال المصروفة. وكتب الناشط والمدوّن سيدي الطيب ولد المجتبى عن التربّح من التجهيز ذاك: "هناك جهود حثيثة للتربح من القمة العربية.. وأكثر المستفيدين حتى الآن هم أبناء وأقارب وشُركاء الجنرال ولد عبد العزيز". بدوره علّق الكاتب الموريتاني عباس أبراهام على التحضيرات: "رأسمالية الكوارث هو المصطلح الذي أذاعته نعومي كلاين لوصف اتجاهات جديدة في الخصخصة ومصادرة الملكية العامة وإطارات النفع العام، التي تنتهز فيها الأنظمة الاقتصادية الجديدة حالات استثنائية، بيئية أو كوارثية، للقيام بتوسعات للملكية الخصوصية وللخصخصة والتخلّص من النفع العام".
وبالنسبة للنظام الموريتاني فثمّة رأسمالية المناسبات. والقمة العربية المُستضافة هي فرصة ذهبية لتدمير المجتمعات الأهلية التي "تُشوِّه" الإطار الجمالي كما يفترض به أن يكون في عيون البعض. ولا بدّ من سحقِها باسم تجميل المدينة وباسم عدم "الافتضاح أمام الضيوف". ومن الإجراءات، إجلاء الباعة الجائلين والمتسولين وكل مظاهر الفقر في محاولة إظهار طابع مترف "للمنطقة العربية" من نواكشوط، وهي تسمية أطلقها نشطاء على منطقة انعقاد القمة وسكن الضيوف، في إشارة إلى أن نواكشوط تحولت لمدينتين، حيث تمّ تنظيف وتجميل المنطقة المترفة أصلاً. وحين أتى المطر قبل ثلاثة أيام من القمة الذي حول نواكشوط لمستنقع كبير بسبب غياب الصرف الصحي، قامت الجهات المعنية بشطف المياه عنها وتركت مناطق نواكشوط الفقيرة لقدرها وعذاباتها. بعض المواطنين سخِر من تلك التفرقة في الاهتمام والتطوير. علق المواطن أحمدو محمد: "أتمنى أن تعقد القمة في منطقتي من نواكشوط حتى يلتفت اليها النظام ويحسن وضعها، لكن لا أعتقد أن ذلك سيتم، فنظامنا لا يكترث بالفقراء رغم أن الرئيس يقول إنه رئيس الفقراء"...
فترة ما قبل القمة، شهدت كذلك تضييقاً كبيراً على الحريات، حيث اعتقال عشرات النشطاء في قضايا متعددة، أبرزها قضية الصحافي والناشط الشيخ باي ولد محمد الذي رمى حذاءه بشكل رمزي في وجه الناطق باسم الحكومة من دون أن يصيبه، كاحتجاج منه على "كذب الوزير على الشعب". حكم على الشيخ باي يوم 14 تموز / يوليو بالسجن ثلاث سنوات نافذة، على الرغم من أن النيابة طالبت بأخفّ عقوبة، لكن القاضي حكم عليه بأقصى حد للعقوبة، وهو ما اعتبر إنذاراً ورسالة للنشطاء بأن الاحتجاج ليس مقبولاً. وبعد ذلك اعتقل تسعة نشطاء بسبب تضامنهم مع الشيخ باي، ولا يزالون ينتظرون المحاكمة، وتمّ قمع أغلب الاحتجاجات المتضامنة معه، حتى أن الأمن اعتقل ناشطَين آخريَن كانا يشرحان قضية الشيخ باي لبعض الصحافيين الأجانب، وحدث ذلك بعد ساعات من اختتام القمة، هذا بالإضافة لاعتقال ثلاثة عشر ناشطا من مجموعة حقوقية هي "مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية" ("ايرا") على خلفية قضية أخرى.
والتضييق طال حركة الناس، ففي يوم الاجتماع وما قبله أغلقت الطرق القريبة والمؤدية لمنطقة القمة. ولم يسلم الصحافيون من التضييق في أيام القمة نفسها، فقد منعت مؤسسة "صحراء ميديا" بالإضافة لـ "وكالة أنباء الأخبار" من تغطية القمة، حيث سحبت اللجنة المشرفة اعتماد مندوبي المؤسستين. وقد نددت هيئات صحافية وأحزاب سياسية بتلك الخطوة، هذا بالإضافة لمنع عدد من مراسلي القنوات الأجنبية من تغطية جلسة الافتتاح، وقد شابت كذلك تغطية التلفزيون الرسمي الكثير من الهفوات، حيث قطع صوت جلسات القمة وانقطع البث لفترات طويلة.
وشكّلت القمّة صدمة للكثير من المواطنين الموريتانيين، ليس بسبب قراراتها التي لا يعوّلون عليها، بل بسبب بُهوت الحضور العربي، حيث غاب أغلب الرؤساء والملوك العرب، فلم يحضر سوى أمير الكويت ورئيس السودان ورئيس جيبوتي ورئيس اليمن ورئيس جزر القمر ورئيس تشاد بالإضافة لأمير قطر الذي غادر جلسات القمة قبل أن يلقي كلمته. جلس لفترة وجيزة كأنه في ترانزيت، وطار نحو أميركا اللاتينية.. لم يحضر من رؤساء الدول المؤسسة للجامعة العربية سوى رئيس الوزراء اللبناني تمام سلام.
الحضور الباهت، ولّد حالة من الغضب ومن الشعور بعدم الاكتراث بموريتانيا وشعبها، وتعالي "القادة" العرب عن الحضور لها، وتعمُّد تقزيم القمة المنعقدة على أرضها، وهو ما يزيد من شعور الموريتانيين بأنهم ينظر إليهم بدونية من قبل الدول العربية، على الرغم من تعلق الكثير من نخبهم بالعروبة والانتماء للفضاء العربي. وكتب الصحافي الموريتاني أحمد ولد الوديعة تعليقا على الحضور العربي: "نهرب من أفريقيا ويهرب منا العرب، نسخرُ من أفريقيا ويسخر منا العرب، نضيق ذرعاً بالهوية الأفريقية ويغمز العرب في هويتنا العربية..". وموريتانيا دخلت للجامعة العربية سنة 1973 بعد استقلالها بثلاث عشرة سنة، وخاضت معارك ديبلوماسية لأجل ذلك الانضمام.
إنه حال شبيه بمعلقة الشاعر الأعشى:
عُـلّـقْـتُـهَـا عَـرَضـاً، وَعُـلِّـقَـتْ رَجُــلاً / غَـيـرِي، وَعُـلِّقَ أُخـرَى غَيرَهَا الرَّجُلُ

مقالات من العالم العربي

النفط يقلق العراقيين

سلام زيدان 2020-04-02

لا حلَّ بغير تفحص إنتاجية المؤسسات الحكومية، وهي اليوم متبطّلة علاوة على تضخمها، ومنع إعاقة عمل القطاع الخاص، الزراعي والصناعي، المنتج بشكل حقيقي، وكذلك القضاء على الفساد المالي وبالأخص في...

تحت ظلال الكارثة

قال شاعرٌ ما مرةً: "الخوف متراس". وافترضَ آخر أننا يجب أن نشعر بالامتنان الدائم لأسلافنا الخائفين، لأن خوفهم كان هو سبيل نجاتهم، فقد حفظ حياتهم وجنبهم الكوارث والحروب، وبعدها تكاثروا...

للكاتب نفسه

هل يكون لبرامج المرشحين أهمية في انتخابات موريتانيا؟

المرشحون للانتخابات الرئاسية في موريتانيا متعددو الميول والبرامج، ولكن هل لهذا أي أهمية فيما تتدخل عوامل اخرى في خيارات الناخبين، وفيما يتبنى رئيس الجمهورية المنتهية ولايته مرشحاً بعينه ويدعمه علناً،...