تعز، مكان اليمن المميَّز

في لحظاتها الأولى، أطلقت ثورة أيلول/ سبتمبر 1962 وعداً حالماً بالتغيير، يساوي بين الجميع، ويكسر احتكار السياسة والحكم الذي كان مغلقاً على تمثيل اجتماعي ومذهبي بعينه، مُشرِّعاً الأبواب أمام الجميع لأول مره في التاريخ الحديث لليمن، شمالاً على الأقل. جرأة هذا الوعد أغرت أفراداً ومناطق كثيرة في البحث عن أدوار جديدة خارج التصنيفات التي اعتادوا على الحضور ضمنها سابقاً، باعتبارهم
2015-11-12

ماجد المذحجي

كاتب وباحث من اليمن، مدير مركز صنعاء للدراسات


شارك
وائل درويش-مصر

في لحظاتها الأولى، أطلقت ثورة أيلول/ سبتمبر 1962 وعداً حالماً بالتغيير، يساوي بين الجميع، ويكسر احتكار السياسة والحكم الذي كان مغلقاً على تمثيل اجتماعي ومذهبي بعينه، مُشرِّعاً الأبواب أمام الجميع لأول مره في التاريخ الحديث لليمن، شمالاً على الأقل.
جرأة هذا الوعد أغرت أفراداً ومناطق كثيرة في البحث عن أدوار جديدة خارج التصنيفات التي اعتادوا على الحضور ضمنها سابقاً، باعتبارهم "رعية" مثلاً. وكان أبناء المهاجرين والفلاحين وملاك الأراضي الصغار من أوائل من تبنى هذا الوعد، واندرج ضمن الحماسة التي خلَّفها. ينتمي جزء كبير من هؤلاء إلى محافظة تعز، الخزان البشري الكبير بأغلبية فلاّحية وأحوال اقتصادية متردية ونسب هجرة مرتفعة قياسا بالمناطق الأخرى في تلك الفترة. فشارك أبناؤها في ذلك المزاج الثوري الذي عصف باليمن، وفي إنشاء تصورات جديدة للبلد: في السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والثقافية.  
     
ثورة 1962 وأعباء أدوار جديدة

أدخلت ثورة 1962 إذاً تغييرات عميقة في وعي الناس بأنفسهم، وأكسبتهم تقديراً جديداً لما يمكن أن يكونوا عليه، وللمزايا التي يمكن اكتسابها. فشارك أبناء تعز في صياغة ملامح النظام الجديد في اليمن، ولكن بأساليب مختلفة. فقد انتمى الكثير منهم إلى التصورات الجديدة في السياسة السائدة في العالم آنذاك، أو "السرديات" الإيديولوجية الشائعة في تلك الفترة: القومية بشقيها، أي البعث وحركة القوميين العرب، والماركسية، وأيضاً وإنْ محدودا، الإيديولوجية الإسلامية في تعبيرها الإخواني. هذه الانتماءات التي ميزتهم بسبب اتصالهم بالعالم الخارجي أكثر من غيرهم، علاوة على ارتفاع نسب التعليم قياساً بأبناء المناطق الأخرى، وانخراطهم في عدن بأنشطة تجارية وحرفية ونقابية.. أدت إلى إدخالهم متغيرات جديدة في حقل السياسة المحافِظة بشدة في اليمن، الذي وإنْ أسقط الإمام ـ رأس الدولة الزيدية - لم يكن ليقبل باختلالات في التمثيل في السلطة تستبعد القوى التقليدية النافذة، والتمثيل الطائفي والمناطقي الحاضر ضمنياً في صيغة الحكم بعد الثورة. وهذه، لم يجرؤ أحد على تغييرها فعلياً والاقتراب من توازناتها الخطرة.
التحق الكثير من أبناء تعز في مؤسسات الدولة الناشئة، فكانت حاضنا جديدا يكفل تعريفهم لأنفسهم خارج التعريفات الشائعة التي تنتمي للمنطقة أو القبيلة، ولثقل الجهة التي ينتمي لها الفرد. حضروا بكثافة في الجيش، مؤسسة القوة الجديدة التي كانت تتشكل في تلك الفترة وتكتسب أهمية متزايدة. بدأ الجيش يشكل أداة نفوذ مؤيَّدة بقوة فعلية متزايدة على الأرض، ما مكّنه من المساهمة في تغيير الإحداثيات برمتها. وشكل انتماء "التعزيين" بأيديولوجياتهم الجديدة اختبار قوة يمكن أن يفكك من سيطرة النافذين التقليديين. وقد بدأت مؤشرات علامات الخطر من علاقتهم بممثليهم التقليديين في مؤسسة الحكم، حيث يحضر تمثيل عائلات إقطاعية كبيرة من المناطق الشافعية أو مناطق "منزل"، بمقابل الآخرين من "الزيود"، أو أصحاب "مطلع" من القبائل. فرفض ذلك وتظاهر ضده الكثير من الطلاب والنشطاء السياسيين، وكان "التعزيون" يشكلون الكتلة الأكبر منهم. وهو ما حصل مع الأستاذ احمد النعمان مثلاً (رئيس الوزراء لمرتين، في عهد عبد الله السلال 1965، ثم في عهد القاضي عبد الرحمن الأرياني 1971. وهو عُرف بـ "الأستاذ" باعتباره من رواد التنوير ومن أعلام التحرر العربي)، وكان النعمان الممثل الضمني عن الشوافع، فاعتبره هؤلاء المتمردون "رجعياً" حينها! لقد شكل ذلك أول رفض علني، مدوٍ، لصيغ التمثيل المُقرة في اليمن، وكان في ذلك نقضٌ خطر لتصور آمن ومتراضٍ عليه يحكم البلد حينها.
تمدد هذه التعبيرات الجديدة للجيش، مؤسسة القوة الحديثة والأهم، يمكن أن يُحدِث فرقا خطرا. بسبب ذلك، اندلعت أحداث آب/ أغسطس 1968 التي تعاملت مع هذه المخاطر المتعاظمة، حيث اتُخذ قرار بتصفية الإيديولوجيات الجديدة في الحياة العامة، وبالأخص في مؤسسة الجيش، باستثناء البعث المتحالف مع الصيغة المحافظة حينها. وكانت تلك الإيديولوجيات مقترنة بأبناء تعز ضمناً، فشملت التصفية الاثنين بدون تمييز. التصفية كانت فعلية، استأصلت بدموية الكثير من الضباط المهمين المنتمين لتعز، وحدث بسببها لاحقاً ما يشبه "الفلترة" لحضور أي نفوذ أو وجود فعلي لأبناء هذه المنطقة في مؤسسة الجيش، علاوة على اعتقالات واسعة للكثير من النشطاء السياسيين من تعز خصوصاً ومن مناطق أخرى كثيرة، كان معظمهم إجمالا ينتمون لما يعرف بـ "اليمن الأسفل"، من أولئك الذي استجابوا فعلياً لوعود التغيير التي جلبتها ثورة 1962.
ولكن، استمرت الإيديولوجيات مقترنة بأبناء تعز، وأفراد آخرين من مناطق متنوعة بالضرورة. ولم تنجح "أحداث أغسطس" في ضرب نشاطهم السياسي، فتأسست أحزاب سرية في شمال اليمن كان التعزيون الكتلة الأكبر في قوامها، مثل "الحزب الديموقراطي الثوري" و "حزب العمل" و "حزب الطليعة الشعبية" و "التنظيم الناصري" و "البعث"، وهم شاركوا لاحقاً بنشاط في الجبهة الوطنية الديموقراطية التي شكلت أبرز مواجهة مسلحة مع النظام الحاكم المحافظ في الشمال. كل ذلك أدى إلى وضع تعز تحت عين أمنية شديدة الانتباه وتّرت علاقتهم بالنظام باستمرار، كما أدى إلى وجود تصنيف عام وضع المنطقة في إطار "معارِض" دائم بما يرتبه ذلك من عقاب جماعي غير مُعلن، له أبعاده السياسية والتنموية والامنية.

تمدد كتلة سكانية كبيرة

انتشر أبناء تعز في كل مناطق اليمن نتيجة هجرة داخلية نشطة "لطلب الرزق"، ما جعل منهم الأكثر حضوراً على المستوى الوطني، وعرّضهم ذلك لأعباء انطباعات مختلفة في كل منطقة ومحافظة كانوا فيها، فيتم تصنيفهم، إيجاباً أو سلباً، تبعاً لمستوى تقاطعهم مع منظومة القيم الاجتماعية والثقافية التي تحدد قدر الأفراد حيث يكونون. تخفف أبناء تعز من فكرة "العيب" الحاضرة بكثافة في مجتمع تسيطر عليه قيم محافظة، وقيم تقرن "الرجولة" و "القوة" بحمل السلاح عادةً، وترى "الفلاح" مجرد "رعوي" قياساً بالتفضيل الذي يُسبغ على "القبيلي" الذي يصبح حتى البيع والشراء انتقاصاً من قدره، وهو شأن استمر حتى فترات قريبة في اليمن، قبل أن تقوم أرباح التجارة وفكرة الثراء بتغييرات مهمة في العادات ومنظومات القيم القبلية. أدى ذلك إلى انطباع أفكار سلبية عن التعزيين، ولكن اهتمامهم بها كان منخفضاً على الأغلب لمصلحة أولوية الحاجة والتعامل مع ضرورات "الرزق"، عوضاً عن العودة إلى مناطقهم حيث يطغى فقر شائع، ولا فرص عمل في أراض زراعية محدودة قياساً لعدد السكان الكبير، وأشكال "شراكة" مجحفة عادة بين "الرعوي" والملاك في مناطق تعز المختلفة.
كما التحق أبناء تعز بكثافة في مؤسسات الدولة المختلفة، وشكلوا الجزء الأكبر من قوام جهازها الوظيفي بكل مستوياته، ومرد ذلك هو ارتفاع نسب التعليم في بلد ترتفع فيه نسب الأمية عادة. وبشكل ما بدا حضورهم ذاك ذا طابع احتكاري للوظيفة العامة قياساً بأبناء سائر المناطق التي ينخفض عددها بالمقارنة مع أعدادهم. وذلك، وإنْ كانت أسبابه طبيعية بسبب التعليم والتأهيل، إلا أنه يثير استنفاراً عاماً. فحضور "صاحب تعز" كموظف أو مدرس أو مهندس أو طبيب في الأجهزة الحكومية في مناطق ريفية مختلفة، يخلق حساسية مما يبدو شبهة احتكار للوظائف. فيصير تفسير الأمر ليس بسبب كونهم الأكثر تعليماً بل إلى كونهم أذكياء و "حذقاً"، والوصف هنا يُغلِّب طابع "الفهلوة"، ولا يحْضر باعتباره تنويهاً ومديحاً. وهم بالطبع لم يحضروا في المؤسسات والأجهزة العامة للدولة ضمن مستويات الصف الأول كثيراً، حيث قيَّدت المراقبة الأمنية ذلك، وخصوصاً في فترات كانت التقييم الأمني معياراً للالتحاق بجهاز الدولة وللتقدم الوظيفي، ولكنهم استطاعوا أن "يهيمنوا" على المواقع التنفيذية ومفاصل الجهاز الوظيفي. وقابلوا السلبية الشائعة تلك حيالهم بلحمة عصبية، يمكن نعتها بـ "عصبية المتعلمين"، وقد شكلت ضمانة من نوع ما في إدارة توازنات حضورهم المليء بالالتباس على المستوى العام، في ظل عصبيات أخرى قوية لمحافظات ومناطق تكون عادة مدعومة بأسباب القوة المباشرة والعارية.. ولكنها قوة فجة وتفتقد الحساسية وتثير الاحتقان والضجيج، بينما أدار "التعزيون" حضورهم العام و "معاركهم" بصيغة تجعلهم ذوي قوة ناعمة، قادرة على إحداث فرق مستمر بأقل قدر من لفت الانتباه.

صورة ملتبسة جنوباً

شكلت تعز "ريف عدن" الرئيسي منذ بداية القرن العشرين، إلى جوار "أرياف" أخرى بالطبع. وحضر التعزيون مبكراً أيضاً كأصحاب حرف وعمال، ليصبحوا بذلك إحدى الفئات الرئيسية التي تمتلك مصالح متنوعة في المدينة الجنوبية الأكبر. هذا الانخراط جعلهم جزءا من انتفاضتها، حيث انضم الكثير من أبناء تعز للعمل "الفدائي" ضد البريطانيين مثلاً. كان هذا الحضور الباكر في العمل الوطني قبل الاستقلال رافعة أساسية لأدوارهم السياسية اللاحقة، فكانوا جزءاً أساسياً من "الجبهة القومية"، وشكل عدد من رموزهم أبرز أوجه السياسة والصراعات في "الجنوب الماركسي". انعكست أدوار ومواقع هؤلاء الرموز على صورة أبناء تعز، "الجبالية" كما كان يطلق عليهم في عدن، حيث جرى تلقيهم بالنسبة للكثير من التمثيلات الجنوبية ضمنياً كـ "منتفعين" و "انتهازيين" يستغلون الحزب. وعززوا مواقعهم في النظام اعتماداً على إثارة النزاعات بين الأطراف الجنوبية/الجنوبية، كونها الوسيلة المثلى، باعتبارهم طرفاً بدون "عزوة" قبلية تسنده في النزاعات على السلطة! ليمتد هذا التصور الى الآن، ليحظوا بالنصيب الأوفر من خطاب الكراهية الذي أنتجته الأحداث في الجنوب ضد الشماليين، فهم "فرس" و "يهود اليمن"... الخ. لقد شكلت صورة أبناء تعز في الجنوب محل التباس شديد، تداخل فيه موقع بعض ممثليهم السياسي، والوظائف الأمنية لبعضهم، مع الصراعات الدموية التي حدثت، لينسحب ذلك إلى تقدير متذبذب لهم ولأدوارهم، يتنقل في وصفهم من كونهم المتعلمين والمدنيين الأقرب لهم، إلى وصفهم بمثيري النزاعات "اللئام" والذين يتحملون مسؤولية كل ما حدث للجنوبيين!
تعز التي تحضر الآن رديفاً للسياسة والثقافة والتمرد، هي حصيلة حضور أبنائها وأدوارهم في الحياة اليمنية. فعائد حضور أي شخص وتفوقه الشخصي مردود لها كما هو له، ليشكل مجموع أدوار أبناء هذه المحافظة الموزعين في أرجاء الجغرافيا اليمنية، إضافة مستمرة دوماً لرأسمالها الرمزي.. كحاضنة لأحلام التقدم والحداثة والمواطَنة، وحارسة الضمير الوطني لليمنيين.

للكاتب نفسه

كيف غيّرت الحرب مأرب؟

مأرب الصاعدة في مشهد اليمن الحالي تحصد ضعف الجميع وتعاني منه في الوقت نفسه، وهي تُكثّف أعباء الحرب وامتيازاتها، وفيها يمكن رؤية كيف تُغيِّر ديناميات الصراع المسلح هوية المكان والتحديات...