الدين السعودي في غزة!

لسنوات خلت، حتى أواسط السبعينيات من القرن الماضي على الأقل، عرف سكان قطاع غزة مثلما هو الحال لدى بقية الفلسطينيين أن المذهب الإسلامي الفقهي الذي يعتنقونه هو المذهب الشافعي، نسبة للأمام "محمد بن ادريس الشافعي" وهو من مواليد مدينة غزة. وحتى آنذاك، انتشر عدد من الزوايا الصوفية، وكذلك عرف رجال الدين الذين حصل الكثير منهم على العلوم الشرعية من الازهر الشريف في مصر أنهم وأهل غزة في الجانب
2015-03-12

عرفات الحاج

كاتب من فلسطين


شارك
| en
جنزير-مصر

لسنوات خلت، حتى أواسط السبعينيات من القرن الماضي على الأقل، عرف سكان قطاع غزة مثلما هو الحال لدى بقية الفلسطينيين أن المذهب الإسلامي الفقهي الذي يعتنقونه هو المذهب الشافعي، نسبة للأمام "محمد بن ادريس الشافعي" وهو من مواليد مدينة غزة. وحتى آنذاك، انتشر عدد من الزوايا الصوفية، وكذلك عرف رجال الدين الذين حصل الكثير منهم على العلوم الشرعية من الازهر الشريف في مصر أنهم وأهل غزة في الجانب العقائدي اشاعرة شأنهم كبقية المسلمين من أهل الشام. وكان التيار الإسلامي السياسي شبه الوحيد في قطاع غزة هو جماعة الاخوان المسلمين. لكن منذ ذلك الوقت جرت في النهر مياه كثيرة.
اليوم مثلما الحال في المحيط العربي، فإن قطاع غزة لا يفتقد لمشهد من يحف شاربه ويطيل لحيته أو من يحذر من "الخطر الشيعي" رغم وفرة وجبات القتل اليومي بواسطة الالة العسكرية الصهيونية. كذلك يعيش الكثيرون كأفراد وقوى سياسية المخاوف ذاتها التي تنتشر في البلاد العربية المجاورة، من تصاعد دور الجماعات التكفيرية المسلحة ذات الخلفية السلفية أو ما بات يعبر عنه اليوم بخطر داعش. وتوزع بيانات وهمية باسم التنظيم المذكور، إضافة لأخرى فعلية تبثها مجموعات سلفية جهادية تتماهى معه.
كان الوجود الرسمي لجهات سلفية في قطاع غزة يقتصر منذ التسعينيات من القرن الفائت على بضع جمعيات سلفية تتلقى تمويلها من المملكة السعودية وتقدم الخطاب الديني نفسه السائد هناك، ويطلق عليها بعض القريبين من الجدل الديني "سلفية أولي الأمر". ولا يتجاوز جمهور هذه الجمعيات او حتى العارفين بنشاطها بضع مئات في أوسع التقديرات، كما هو حال جماعة "الدعوة والتبليغ" أو ما يعرف بـ "السلفية العلمية"، المنطلقة من مسجد وحيد في قطاع غزة. ولكن، وعلى الرغم من ضآلة دور وتأثير هذه الجمعيات، فإن المقولات "السلفية" الأساسية هي الأكثر شيوعا على لسان المتدين الغزي، بل ان امتداد هذا النمط من التّديّن عابر للتنظيمات والتقسيمات السياسية الفلسطينية. فمعظم المصلين في مسجد جماعة الدعوة والتبليغ هم من عناصر حركة فتح وضباط ومسؤولين متوسطين في أجهزة ووزارات السلطة الفلسطينية.
وبات من المألوف ان تجد الغزي يعرِّف عن ذاته على مواقع التواصل الاجتماعي بصفته "مسلم - سني" هذا الأمر ينطبق حتى على غير الملتزمين بالشعائر الدينية. غرابة الأمر انه لتعرِّف عن ذاتك كسني فيجب ان يكون هناك احتمال آخر وهو غير موجود في غزة (عدا المسيحيين الغزيين، ولكن هذا خارج نطاقنا). بل وحتى سنوات قريبة سابقة، كان سكان قطاع غزة يطلقون خلطة مسميات على أتباع التنظيمات اليسارية الفلسطينية، تخلط بين الشيوعيين والشيعة ("شيعة وشوعة وشوعين"). ولطالما كان هذا الخلط موضع تندر.
الدور الذي لعبته هذه الجمعيات السلفية الرسمية كان محدوداً بالفعل، فلقد سبق ان سيطرت المؤسسة الدينية السعودية على عملية "تعريف الدين والتدين" في قطاع غزة. فمع السيولة المالية الهائلة المتأتية من قفزة أسعار النفط في سبعينيات القرن الفائت، عملت السعودية على تعميم نموذجها الديني على معظم بلدان العالم العربي. وفي غزة عمل بشكل رسمي الشيخ الراحل سليم شراب بصفته ممثل "المملكة العربية السعودية في فلسطين" وممثلا لفلسطين لدى إدارة "البحوث العلمية والدعوة والإرشاد السعودية" التي أصبحت حالياً "وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية السعودية". وتنسب المؤسسات السلفية وشهادات من عايش تلك الحقبة من التيارات الإسلامية للرجل الدور الأهم في تأسيس "الجمعية الإسلامية"، و "الجامعة الإسلامية"، و "المجمع الإسلامي"، وبناء أكثر من 63 مسجداً، والاهم ابتعاث المئات من الطلبة الفلسطينيين لتلقي العلوم الشرعية في الجامعات السعودية بمنح مجزية. يروي محبو الراحل شراب، المقرب من رجل الدين السعودي عبد العزيز بن باز، احد مآثره بانه رفض 10 منح من جامعة كويتية لأنها كانت في اختصاصات أخرى غير العلوم الشرعية.
ورغم نجاح تنظيم الاخوان المسلمين في غزة بقيادة الشهيد الراحل احمد ياسين في انتزاع المؤسسات الثلاث الأكبر (الجامعة، الجمعية، المجمع) من يد ممثلي المنظومة السعودية الرسمية، وتحويل هذه المؤسسات الى نقاط انطلاق لتأسيس حركة حماس، الا انه حصل عليها بحشوتها "السلفية/ السعودية"، ولم يلجأ تنظيم الاخوان في غزة أو حركة حماس الى اجراء أي تحول في منظومة تعليم الدين هذه او خوض أي مواجهة مع تجلياتها او مقولاتها الدينية، بل ان تأثير هؤلاء امتد لداخل حماس أكثر من غيرها.
اليوم لا تكاد تجد خطيب مسجد في قطاع غزة لا يعرف عن ذاته بصفته "سائرا على منهاج السلف الصالح"، أي باختصار ك"سّلفي"، فيما تتراكم بضعة أكياس من النفايات على حائط ضريح الامام الشافعي في مدينة غزة، ويقوم على تدريس المساقات الإسلامية في الجامعات أساتذة حصلوا على القابهم الجامعية من الجامعات السعودية، وبعضهم عمل داخل تلك المملكة لسنوات. وبالطبع فإن الزوايا الصوفية لم يتبق منها أكثر من ثلاث في القطاع.
بخلاف الحال عن معظم الدول العربية التي عانت من تغلغل المنظومة الدينية السعودية في ساحاتها، فإن منظمة التحرير الفلسطينية لم تحاول خلق مؤسستها الدينية الخاصة، ورحبت بالدور السعودي وادوار أي جهات مانحة ترغب ببناء مؤسسات "إسلامية" داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل لطالما وجدت المنظمة في الدعاة السلفيين حلفاء طبيعيين في مواجهة حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
ومع قدوم السلطة الفلسطينية الى قطاع غزة (1994)، استعانت وزارة الأوقاف في حكومة السلطة بالنوعية نفسها من خريجي الجامعات السعودية أو تلاميذهم من خريجي مؤسسات التعليم الديني في غزة ("معهد الأزهر الديني – غزة" و "الجامعة الإسلامية"). وهنا لا نطرح فكرة وجوب تعميم السيادة الوطنية للدولة او الكيان السياسي على الحقل الديني، وقد يكون من المفهوم ضمنا سعي أتباع أي رؤية دينية لنشر رؤيتهم وتوسيع قاعدة معتنقيها، ولكننا هنا نتكلم بالمقام الأول عن أحدى الأدوات الأهم التي أحدثت ولا زالت تحدث تأثيراً سياسياً واجتماعياً في البيئة الاجتماعية الفلسطينية. وجوهر الإشكالية هو في عدم تناولها كأداة هيمنة اجتماعية وسياسية تلعب دورا أساسيا في استحضار تناقضات غير موجودة في المشهد الفلسطيني، على غرار ثنائية "شيعي – سني" في الوقت الذي يخوض فيه الفلسطينيون صراعهم مع المشروع الصهيوني. فلدى الفلسطينيين ما يكفيهم ليقلقوا بشأنه اكثر من الانشغال بتكفير بعضهم بعضا .

 

للكاتب نفسه

فلسطين: النكوص المتكرر

عرفات الحاج | 2014-11-04

يسير الفلسطينيون نحو إتمام العقد السابع لنكبتهم الكبرى. كما مضى ما يقرب الآن من خمسين عاما على انطلاق العمل الفدائي. ولا نعرف متى بالضبط تحوّر المسمى الذي كان يطلق على...