المحرومون من النعوة

نعى المسلمون صورة الإسلام السمح التي تشوهها داعش، ونعى المسيحيون وجودهم في الشرق. آخرون نعوا التاريخ، الأثر والحجر، بينما لم يكن همّ بعضهم سوى نعي التعددية وجمال التنوع، لكنّ أحداً لم ينع كرامة الانسان التي صُلبت مع حرف الـ"نون" ظلماً وبهتاناً على جدران مسيحيي الموصل.الأهم من إخفاء معالم التاريخ بإحراق الكنائس، هو ذلك الألم الذي يمزق الفؤاد لحظة اقتلاعك من جذورك. الأهم من نسف جمالية فسيفساء
2014-07-25

مسلمة الشهال

كاتبة من لبنان


شارك
من الانترنت

نعى المسلمون صورة الإسلام السمح التي تشوهها داعش، ونعى المسيحيون وجودهم في الشرق. آخرون نعوا التاريخ، الأثر والحجر، بينما لم يكن همّ بعضهم سوى نعي التعددية وجمال التنوع، لكنّ أحداً لم ينع كرامة الانسان التي صُلبت مع حرف الـ"نون" ظلماً وبهتاناً على جدران مسيحيي الموصل.
الأهم من إخفاء معالم التاريخ بإحراق الكنائس، هو ذلك الألم الذي يمزق الفؤاد لحظة اقتلاعك من جذورك. الأهم من نسف جمالية فسيفساء العراق وبلورياته هو جوهر الإنسان الفرد وألم الفقد....
 ليس خطأ أن يتناول الفقيه الحدث من زاويته الفقهية، أو أن يحزن المهتمون بالفنون والعمارة على إحراق الكنائس، أو أن يرثي المثقفون مظاهر التنوع. لكن لماذا غابت معادلة الإنسان نفسه عن كل هذا؟ لماذا انحدرت قيمته حتى أصبح للتاريخ والثقافة وصورة الهوية المجتمعية قيمة أكبر من قيمة الإنسان الفرد، ونسينا أنه هو من يصنع هذه جميعاً.
لماذا يتراجع الاعتراف بفردية الإنسان في مجتمعاتنا ويتجزأ وجوده تصنيفات شتى كرمى للهوية الجماعية؟ الدينية خاصة.
بإمكانك أن تقرأ ردة الفعل غير المتزنة هذه بوضوح لدى المعلقين على الحدث من الطرفين المسلم والمسيحي.
المسيحي القلق على وجوده الديني، والمسلم القلق على صورته أمام الآخرين، أي على وجوده الديني أيضاً!ما الذي يختلف به الإنسان المسيحي في الموصل عام 2014 عن الفلسطيني الذي طرد من أرضه عام 1948؟
في مجتمعاتنا، لماذا تحضر معاناة الإنسان بتفاصيلها الوجودية المؤلمة عند الحديث عن مآسي من يشبهوننا، وتغيب ساعة ذكر مآسي "الآخرين"، ليصبحوا مجرد قضية سياسية فكرية، هي تعريفاً عابرة؟
في بعض قصصه، كان غسان كنفاني يكنِّي عن فلسطين ليخرج للأفق الإنساني الأرحب ويقدم الإنسان الفلسطيني كرمزية لكل إنسان طرد عنوة من أرضه في أي مكان او زمان.
لا، لست أستذكر كنفاني تحسراً، الحقيقة أننا لسنا بحاجة لرمزية تذكرنا بإنسانيتنا، بل نحن بحاجة لإحياء الانسان الميت في دواخلنا من جديد. أن نتعلم كيف ننظر لكل فرد على أنه "عالم كامل بذاته" وليس مجرد رقم داخل منظومة جماعية كبرى، وأن هذه الفردية، الفردانية، بقداستها، هي التي صنعت تلك الفسيفساء الجذابة، لا العناوين ولا الصور، أيا كانت، وهي التي تصنع التاريخ وتوجهه لا العكس.
مشكلتنا ليست في نصرة الانسان بل في الإيمان بوجوده!