المناطق الوسطى في اليمن: ضحيّة الجغرافيا والنزعة المدنيّة

المناطق الوسطى في اليمن ليست مجرّد جغرافيا، بل هي تاريخ وثقافة وواقع يكاد يتلاشى. مؤخراً، أعلن تنظيم القاعدة تأسيس فرع لــ«أنصار الشريعة» في المناطق الوسطى لتتمكن عناصره المسلّحة من قتال الحوثيين فيها.تتمدّد هذه المناطق في محافظات عدّة: إب، تعز، ريمة، الضالع، ذمار والحديدة. وبطبيعة الحال، تقسيمها ليس إدارياً كي يشمل كل هذه المحافظات، لكنّها تمثلّ أجزاء كبيرة منها إذا ما
2014-06-24

فارع المسلمي

باحث زائر في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)، من اليمن


شارك
"أنصار الشريعة" في اليمن (من الانترنت)

المناطق الوسطى في اليمن ليست مجرّد جغرافيا، بل هي تاريخ وثقافة وواقع يكاد يتلاشى. مؤخراً، أعلن تنظيم القاعدة تأسيس فرع لــ«أنصار الشريعة» في المناطق الوسطى لتتمكن عناصره المسلّحة من قتال الحوثيين فيها.
تتمدّد هذه المناطق في محافظات عدّة: إب، تعز، ريمة، الضالع، ذمار والحديدة. وبطبيعة الحال، تقسيمها ليس إدارياً كي يشمل كل هذه المحافظات، لكنّها تمثلّ أجزاء كبيرة منها إذا ما أخذنا في الاعتبار أن تسمية «المناطق الوسطى» ترسّخت في العقل الجمعي اليمني كرقعة لحروب النظام في صنعاء مع عناصر الجبهة الوطنية الديموقراطية (التي استمرّت لسنوات وانتهت في حزيران /يونيو 1982، بعد أن سقط ضحيتها آلاف البشر ودمّرت آلاف المنازل).
التسمية غير إداريّة إذاً ولا تتمتع بالدقة، لكنها تعرف بأنها دائماً خارج اطار الحسابات السياسية شمالاً وجنوباً.

ظُلمٌ مستمرّ!

خلال انعقاد مؤتمر الحوار الوطني، عاشت هذه المناطق خيبةً بسبب عدم تضمينها في الاعتذار الرسمي الذي تقدّمت به الدولة لأبناء الجنوب وصعدة لخوضها حروباً مسلّحة ضدّهم. ولم تتمّ الإشارة لما تعرّض له أبناء هذه المناطق من انتهاكات، فاقت ـ سابقاً ـ ما حدث في الجنوب وصعدة من حيث أعداد الضحايا وكمية الأضرار المادية والإنسانية.
لكن ما تلا هذا من قسوة في تعامل السلطة مع أبناء هذه المناطق، أبقى على ألسنتهم رهينة أفواههم. ومن حاول المُطالبة بتعويض أو حتّى المطالبة باعتبار ما حدث انتهاكاً، تمّ اتهامه بأنّه من «المخرّبين» وهي التسمية التي أطلقها الرئيس السابق علي عبد الله صالح وحلفائه من الجيوش الشعبية على عناصر الجبهة، في ما عُرف بـ«حرب الجبهة» في ثمانينيات القرن الماضي.
زراعة وحرف واحتقار
يمتدّ هذا الجزء من اليمن بمحاذاة الخطّ الفاصل بين جنوبه وشماله (قبل الوحدة)، فهو جنوب الشمال وشمال الجنوب. مارس أبناؤه تنقّلهم، ولو بشكل سرّي بين جانبي الحدود سابقاً، وأقام عدد كبير منهم في الجنوب على الرغم من كونهم شماليين (حينها).
المنطقة جبليّة وعرة بامتياز، إلاّ أنّ شهرتها الزراعيّة فاقت غيرها. احترف أبناؤها المهن اليدوية (الصناعة اليدوية المنزلية)، التي تُمثّل استثناءً يمنيّاً إذ أن الكثير من المناطق اليمنية ـ خاصة شمالاً ـ تحتقر الحرف وتعدّ ممارسيها في مكانة اجتماعية أدنى، بحيث يسود التقسيم الفئوي بين أبناء المجتمع على أساس النسب والمهنة.

وجوه الموت المتعدّدة

بعد سيطرة القاعدة على محافظة أبين في العام 2011، تمدّد أنصارها إلى منطقة رداع في البيضاء. وهناك نفّذوا هجمات عدّة ضدّ أهداف أمنيّة وعسكريّة. إلا أنه خلال العامين 2012 / 2013، توالت الأنباء والتقارير الإعلامية عن انتشار عناصر القاعدة في بعض مديريات إب وذمار. كان ذلك بهدف تشتيت جهود الملاحقة الحكومية لعناصر التنظيم، وأيضاً لفتح جبهات جديدة للقتال في مناطق ذات تحصينات طبيعية كالجبال الوعرة، وهكذا تصبح الطائرات بلا طيار وجهاً جديداً للموت يحلّق في سماء هذه المناطق التي، على الرغم من كثافتها السكانية، تعدّ واحدةً من أقلّ مناطق اليمن احتفاءً بالسلاح وتخزيناً له.
كما لا زال جبل شخب ـ عمار في محافظة إب منطقة مثاليّة للموت المفاجئ منذ حروب الجبهة التي انتهت في العام 1982، وذلك بفعل الألغام المزروعة في جوانبه. وهي زُرعت بكرم باذخ بفعل دعم الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي للجبهة بحوالي أكثر من مليون لغم.
كانت هذه المناطق مسرحاً مثاليّاً للصراع المسلّح لنظامي صنعاء وعدن الذي استمرّ خلال الفترة الممتدة بين 1972 و1982، لأن قوام جيش الجنوب عدديّاً كان أقل من الشمال، ولأنّ الحركات الأيديولوجية، إلى حينه، كانت قومية ويسارية وإسلامية لا تعترف بالحدود وتمارس نشاطها التنظيمي العلني والسري بقيادة واحدة.
وكذلك، وبفعل وصول اليسار إلى الحكم في الجنوب وإقصاء عناصره من السلطة في الشمال، كانت العناصر المقصيّة من قبل نظام صنعاء (وغالبيّتهم العظمى من المناطق الوسطى) تستخدم من قبل نظام عدن لمواجهة نظام صنعاء. كان الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي الراحل جار الله عمر (وهو قائد مشهور للجبهة الوطنية حاربه نظام صالح قبل الوحدة اليمنية وبعدها)، هو من هندس فكرة «أحزاب اللقاء المشترك» التي قادت المعارضة ضد نظام صالح، ونجحت في إزاحته. وجار الله عمر، المولود قرب جبل شخب قضى الفترة الفاصلة بين الجبهة والوحدة في عدن على الرغم من كونه شماليّاً.
وكان «الإخوان المسلمون» على الطرف الآخر من أحزاب المشترك، العدو التاريخيّ لليسار سابقاً الذي تحوّل إلى حزب سياسي، «التجمع اليمني للإصلاح»، وأبرز كوادره أيضاً من أبناء المناطق الوسطى، بمن فيهم أبرز وجوهه السياسية محمد قحطان (أحد قيادات التجمع اليمني للإصلاح).

تجاهل ونهب

ولكن خلال السنوات الأخيرة، تمّ إشهار أكثر من تحالف لأبناء المناطق الوسطى في محاولة لجرّها في منحى مناطقيّ على غرار الجنوب وشمال الشمال. وهي في العادة الأكثر اعتدالاً في رؤاها المناطقية والفكريّة والدينيّة من مناطق البلاد الأخرى، بعد أن شكّلت حاضناً للحركات الثوريّة والتحرريّة على مدى أكثر من خمسين عاماً من تاريخ اليمن الحديث.
كما أن خلفية هذه المناطق التاريخية مرتبطة بدويلات العصر الوسيط، الأكثر نشراً للعلم والثقافة وتبجيل العمل الزراعي والحرفي كدولتي الرسوليين والطاهريين. كما أنها مرتبطة بحكمة أشهر امرأة حكمت اليمن في العصر الإسلامي، وهي الملكة أروى بنت أحمد الصليحي.
لكن السلوك العملي المدني وعدم اللجوء إلى استخدام السلاح من قبل أبناء هذه المناطق، حوّلها إلى إحدى بؤر النهب في اليمن. فالحديدة على الساحل الغربي مثلاً تتعرض أراضيها لهجمات نهب مسعورة قد تفوق تلك التي حدثت في الجنوب. واضافة الى ذلك، فإن مكانها الجغرافي المتوسط جعلها رهينةً لاختلافات الجنوب والشمال، وكذلك رهينةً لاتفاقاته.
ومع أنها تُعدّ احدى أكثر المناطق داخل اليمن حاجةً للعدالة الانتقالية، إلاّ أن مؤتمر الحوار الوطني الشامل المخوّل مناقشة العدالة الانتقالية كانت لديه قضايا أهمّ بسبب أطراف أكثر تسلّحاً، فتجاهلها مع مخرجاته.
على عكس الكثير من بلدان العالم، فان الوسط والوسطيّة (جغرافياً وفكرياً)، تشكّل في اليمن معضلة أكثر من رأس مال دائم وعمليّ. خاصة حينما يُقلّص اليمن الى شمال وجنوب، كما يفعل حالياً رئيس البلد وحكومته، عبر سياسة إخفاء وتجاهل كل ما ليس في أقصى الشمال أو أقصى الجنوب أو كل ما قلّ ارتباط حجّته بالسلاح.

مقالات من أبين

سلمى، ليالي الحب والحرب

ريم مجاهد 2019-08-16

في كل مكان مُطهِّرون. على الحدود بين الشمال والجنوب شوهدت النسوة يصرخن محاوِلات الانضمام للذكور الذين تمّ فصلهم عنهن. في الجنوب تناثرت الأشلاء في كل مكان، تفجيرات وعمليات قتل واغتيال،...

علي: القصص الأخرى

ريم مجاهد 2019-08-08

كتب علي عن شباب القرى الذين جُنّوا بسبب الحرب والبطالة، كتب عن الذين أُدخلوا أو أُخرجوا من معتقلات الميليشيات المتنوعة، ثم لم يعودوا هم أنفسهم بسبب التعذيب والجوع. كتب عن...

الخمور على موائد السياسة في اليمن: حديث في السيطرة على السلطة بالدسائس والمؤامرات

الجزء الثاني من رصد الباحث لوقائع اليمن السياسية والسوسيولوجية من خلال العلاقة بالخمور، تهريباً وتسويقاً واستهلاكاً واستخداماً في الابتزازات بين المتصارعين.. ونفاقاً!

للكاتب نفسه