شهر استثنائي في الجزائر

يترافق قدوم شهر رمضان في الجزائر مع تغيير جذري في نمط حياة الجميع. هناك أولاً الاستثمار المالي. فللشهر الاستثنائي تكاليف استثنائية: أطباق خاصة، ختان الأطفال الذكور (خصوصاً عشيّة اليوم الـسابع والعشرين)، من دون التخطيط لشراء الملابس الجديدة للعيد... هكذا، تتضاعف الموازنة الشهرية للأُسَر التي تبدأ قبل رمضان بأشهر، وتصل بها الحال أحياناً حدّ الاستدانة.ثمّ يأتي دور الاستثمار المؤقت: المطبخ.
2012-08-01

نيلى بن مهدي

طبيبة من الجزائر


شارك
"الزلابية" من أشهر الحلويات في الجزائر (الوافي اللاربي ــ رويترز)

يترافق قدوم شهر رمضان في الجزائر مع تغيير جذري في نمط حياة الجميع. هناك أولاً الاستثمار المالي. فللشهر الاستثنائي تكاليف استثنائية: أطباق خاصة، ختان الأطفال الذكور (خصوصاً عشيّة اليوم الـسابع والعشرين)، من دون التخطيط لشراء الملابس الجديدة للعيد... هكذا، تتضاعف الموازنة الشهرية للأُسَر التي تبدأ قبل رمضان بأشهر، وتصل بها الحال أحياناً حدّ الاستدانة.
ثمّ يأتي دور الاستثمار المؤقت: المطبخ. خلال رمضان، يكون موضوع الساعة منذ الساعات الأولى للنهار، هو وجبة الفطور! يصبح الفطور محور حديث النساء والرجال النشطين، طيلة ساعات، من المطبخ إلى المكتب، وكلٌّ يقيّم ويحلّل ويثني (في معظم الأحيان) على إفطار الليلة السابقة! لحظة الخروج من العمل، إنه "الهجوم" على الأفران لشراء الخبز وكل الحلويات والسكريات الخاصة برمضان: قلب اللوز والزلابية، وبطبيعة الحال، لا مكان للتردد في التجول بالمدينة للعثور على الأجود من هذين الصنفين!! وفي المنزل، لا يعود الحديث متمحوراً حول تحضير عشاء كيفما اتُّفق، بل المطلوب وجبة طعام متقنة يجب إيلاء تحضيرها كامل الوقت، بدءاً من انتقاء المكونات أثناء الشراء انتهاء بالتحضير، إذ إن فطوراً سيئاً غالباً ما يكون سبباً لخلاف زوجي!
وفي بلد مساحته تناهز المليوني كيلومتر مربع، ويقطنه نحو 40 مليون شخص، حيث تختلف العادات والتقاليد بين مكونات المجتمع، يتوقع المرء أن يكون الفطور محكوماً بعادات مختلفة جذريا. لكن الوضع ليس كذلك، بما أن هندسة الإفطار في الجزائر تكاد تكون متشابهة بالكامل في كل أرجاء البلد:
- التمر (الجزائري بالطبع) لكسر الصيام.
- الشوربة في بداية الوجبة: الشوربة في وسط وشرق الجزائر (بالتأكيد تضيف كل منطقة لمستها الخاصة)، و"الحريرة" في غرب البلاد. وغالباً ما تحضر البطاطا المقلية.
- "البورك" الذي غالباً ما يرافق الشوربة: وهو عبارة عن لحم مخلوط بالكعك وملفوف على شكل رقاقات (صنف من العجين الرقيق الجاهز). وحتى هذا، وهو علامة جزائرية مميزة لم ينج من تأثيرات الحداثة، فتضاف إليه الجبنة، وأحياناً يتم استبدال اللحمة بالقريدس، إلخ... وهكذا، فالبورك "التقليدي" الذي نعرفه اليوم لم يعد هو نفسه الذي كان سائداً أيام الأسلاف، حين لم يكن مصنوعاً من رقائق العجين الجاهز، بل من عجين يتم تحضيره في المنزل.
في بعض المناطق، وغالباً في الشرق، يُستبدل البورك بـ"البريك" (وهو عبارة عن البطاطا المغلفة بالعجين المخلوط بالبيض ولحم التونا)، وهي وجبة نتشاركها مع جيراننا التونسيين الذين يتم نسب أصلها لهم أحياناً، وهو موضع خلاف!
- السَلَطة أو السَلَطات، ولا نجد إجماعاً خاصاً بين الجزائريين حول أحد أصنافها.
- الطبق الرئيسي: غالباً ما يكون الطاجن في بداية رمضان (باللحم الأحمر أو الأبيض مع الصلصة) ثم تأخذ الأطباق طابعاً غربياً عند الاقتراب من نهاية الشهر، عندما تبدأ مخيلة ربات المنازل بالنفاد: فيحل مكان الطاجن "الغراتان" والـ"روتي"، وهي أطباق أوروبية.
- طبق "اللحم الحلو" التقليدي، هو طبق مالح وحلو يعرفه جميع الجزائريون، وهو مرتبط أساساً برمضان، وبحسب المناطق، كما يرتبط بحفلات الزواج. إنه عبارة عن لحم مقدَّد يُطبخ مع الخوخ أو العنب المجفَّف. أحياناً يضاف إلى الطبق التفاح، المشمش، التين... وفق ذوق سيدة المنزل.
- أخيراً يأتي دور التحلية، غالباً ما تكون مؤلفة من الفاكهة، لأنه يجب أخذ استراحة لترك المجال لتناول حلويات قلب اللوز والزلابية خلال السهرة.
كما أن شهر رمضان في الجزائر مرادف للوجبات التي تجتمع العائلة حولها وللزيارات العائلية. إنه الشهر الذي يحييه أهل المدن والريف بالطريقة نفسها على المائدة. وتناول الإفطار في المطاعم مفهوم لا وجود له إطلاقاً (لذلك، يبقى عدد قليل جداً من المطاعم فاتحاً أبوابه خلال شهر رمضان، إضافة إلى عدد قليل جداً أيضاً من مطاعم الفنادق، وما يبقى يعمل منها في هذا الشهر يكون مخصصاً عادةً للأجانب المقيمين في الجزائر).
لحظة حلول موعد الإفطار، يصبح الجميع على المائدة. إنها مناسبة لاستقبال الأصدقاء وأفراد العائلة والجيران والأقارب والزملاء (حتى المغتربين منهم)، ولتمضية وقت ممتع، وخصوصاً لإظهار المواهب في الطبخ.
ولا يغيب التضامن الاجتماعي عن رمضان الجزائر أيضاً. فإلى جانب المبادرات الفردية، ينظّم "الهلال الأحمر" الجزائري، بفضل متطوّعيه ومعظمهم من الطلاب، الحملة الأكبر لمساعدة المعوزين، وذلك من خلال تطبيق برنامج عمليات سنوي وشامل لكل المناطق الجزائرية، هي عبارة عن:
- سلة رمضان (توزيع سلع غذائية أساسية للأكثر عوزاً).
- مطعم الرحمة (شكل من أشكال المطاعم المجانية، تقدم الفطور لكل من يأتي إليها).
- ختان مجاني للأطفال الذكور.
ومن الاشياء الجميلة أن الجزائر تتحول إلى قرية كبيرة خلال رمضان، وتواصل الحفاظ على عاداتها المتوارثة من الأجداد، وتستعيد إنسانيتها (رغم المصاريف النافلة أحياناً والمردود المهني المتدني بشكل ملحوظ، ورغم نمط حياة مرهِق). لكن الجميع يكون سعيداً بذلك.
في المدن، تتكاثر الخيم الشرقية التي ظهرت قبل عقد من الزمن. وإذا كان الفطور لا يزال يأخذ الطابع العائلي، فالكلٌّ يخرج إلى خيمته لرؤية أصدقائه وتناول المشاوي عند الثالثة فجراً (بدل السحور التقليدي).
صحّ فطوركم!

رمضان ولغة الطعام

مقالات من الجزائر

ماذا تبقى من اليسار في الجزائر؟

عمر بن درة 2018-11-27

تعيش الساحة السياسية وقتاً معلقاً، فلا حق للقوى السياسية بالوجود كمنظمات وحتى كخطاب. ولكن وبمواجهة ليبرالية مافيوزية فرضتها الديكتاتورية، يتمسك الأهالي بتقاليد المساواة والعدالة المتجذرة بعيداً عن القطعيات والايديولوجيات. وفي...