النزوح الصامت في اليمن

ما زال النزوح الداخلي في اليمن عموماً حالة استاتيكية تفتقر إلى ديناميات الظاهرة ومفاعيل تدويل الألم وإدراجه تحت مبادئ القانون الدولي الإنساني وبرامج الرعاية والحماية المعنية.
2019-04-11

عبد الرزاق الحطامي

كاتب من اليمن


شارك
أحمد كليج - سوريا

أخيراً، انتصبت مئات الكرفانات البيضاء وبيوت من القش والطين على مساحة شاسعة من الرمل الغابر في منطقة الجفينة في مدينة مأرب، وسط اليمن. إنه أول مخيم للنازحين المدينة التي يعيش فيها قرابة مليون نازح، وهو المخيم الأكبر مقارنة بسائر مخيمات النزوح في عموم اليمن.

يشهد هذا المخيم، الذي انشئ بشكل عشوائي وطارئ، على نقطة تحول هامة في بنية النزوح الداخلي في البلاد. فبعد ثلاث سنوات من تدفق آلاف النازحين إلى مأرب، ينتقل النزوح من إطاره الفردي إلى ما يشكل حالياً مجموعة حراك بشري تتموضع على جغرافيا واحدة. لكن غياب المفاعيل الناظمة لهذه المجموعة يحيل هذا النزوح إلى حالات انسانية مبعثرة وأوضاع شخصية تخص كل نازح على حدة.

تمثل حركة النزوح إلى مأرب - المدينة التي منحتها الحرب حظاً من الاستقرار والأمن النسبي -نموذجاً لقراءة واقع هذه الظاهرة، في ظل غياب الدراسات ومعها المنظمات الإنسانية ومراكز الرصد والتحليل المعنية بهذا الوضع الناجم عن كارثة الحرب. كما لا يمكن قراءة حركة النزوح إلى مأرب خارج السياق التاريخي للظاهرة والمكان. فقد شهدت المدينة التي كانت عاصمة المملكة السبئية القديمة في عصور التاريخ القديم أكبر موجات النزوح الجماعي إثر تهدم سد مأرب والسيل العرم، وتفرقت أيدي سبأ في أنحاء العالم .

وهكذا تعيش مأرب واحدة من مفارقات التاريخ! وعلى الرغم من كل الخصائص، فما زال النزوح الداخلي في صيغته الحالية أشبه بالهجرة الريفية إلى المدن، التي ترتبط بفترات السلام والبحث عن فرص العمل والحياة حين تشح الفرص في القرى.

مقالات ذات صلة

خلفت الحرب الحالية أكثر من ثلاثة ملايين نازح، قصد ثلثهم مأرب. وهذا امتياز آخر منحته الحرب لهذه المحافظة التي كانت من أقل المحافظات اليمنية سكاناً ومعدلات نمو سكاني على مستوى البلد.. ومأرب تعني لغوياً "مقصد" غير أنها انتظرت آلاف السنين لتكون اسماً على مسمى.

هذا العدد الهائل من النازحين هو ما أتحفنا به مسؤول حكومي في سردية احصائية إذ نادراً ما تتحدث الحكومة اليمنية عن برامج وآليات لمعالجة كارثة النزوح، وربما يعود هذا إلى طبيعة عمل الحكومة التي تعيش في الرياض وليس في الجفينة.

والإحصائية الرسمية الأخيرة واقعية، مع أن أغلب النازحين داخلياً يظلون خارج دائرة الرصد والإحصاء، وهذا يعود لعدة عوامل من أبرزها أن للنزوح طابع أسري حيث تستقر الأسرة النازحة في بيت عائلة من أقربائها في المناطق الآمنة. كما أن حركة النزوح الداخلي لا تتم بشكل جماعي، ولم يحدث أن رأى العالم مجموعات نزوح يمينة لفارين من كارثة الحرب وهم يحملون حقائب صغيرة وأطفالاً. ولذلك لم يحدث أيضاً أن شعرت الأمم المتحدة بالقلق تجاه وضع النازحين في اليمن الذي يتسربون فرادى فلا يلفتون الأنظار.

خلفت الحرب الحالية في اليمن أكثر من ثلاثة ملايين نازح، قصد ثلثهم مدينة مأرب. وهذا امتياز آخر منحته الحرب لمأرب التي كانت من أقل المحافظات اليمنية سكاناً ومعدلات نمو سكاني على مستوى البلد.. ومأرب تعني لغوياً "مقصد" غير أنها انتظرت آلاف السنين لتكون اسماً على مسمى.

ومن ضمن عوامل الإبقاء على حركة النزوح الداخلي في عداد القضايا الصامتة أو الظواهر الميتة، يأتي العاملان الشعوري والأمني في الصدارة، حيث يفضل بعض النازحين إلى مأرب، وبالأخص من هم من النخب الإعلامية والسياسية، الإنصهار داخل المدينة والتماهي في حياتها الإجتماعية لأسباب تتعلق بالخوف، والشعور بالكرامة. وثمة سبب أمني يتمثل في حرص النازحين النخبويين على عدم الظهور في صورة المكان. فمأرب هي "أرض الدواعش" كما يصمها الإعلام الحربي الحوثي، وظهور هؤلاء النازحين في المشهد قد يتسبب بمخاطر أمنية لمن تبقى من علاقاتهم العائلية في مناطق سيطرة الحوثيين.

وعلى الرغم من وجود عشرات المراكز الإعلامية والمنظمات المحلية ومئات الإعلاميين والناشطين الحقوقيين، إلا أن النزوح الداخلي في اليمن عموماً ما زال حالة استاتيكية تفتقر إلى ديناميات الظاهرة ومفاعيل تدويل الألم وإدراجه تحت مبادئ القانون الدولي الإنساني وبرامج الرعاية والحماية المعنية.

مقالات ذات صلة

مقالات من اليمن

الفتاة صاحبة أكبر "لا"!

ريم مجاهد 2019-03-08

قصة جديدة تمزج الشاعرية بمعرفة متينة باليمن، بموقف ناصع لا يعرف اللبس، عن النساء والحب وعما يشكل الحياة نفسها.. والصلة بينها كلها.

للكاتب نفسه