الشباب العراقيون وسط كومة الخراب

يتناقل الشباب العراقيون على «فيسبوك» موقع «إلى المريخ بلا عودة»، ويلحقونه بتعليقاتهم المقرعة للحكومة. وتثير الدعايات عن رحلة الذهاب إلى المريخ شهية الشباب في العراق، كأرض لم تكتشف ولم يعث بها الساسة فساداً. هناك سيبحثون عن أحلامهم الموؤودة، وعن العدل المفقود، دون أن يتعرضوا لمضايقة من أحد. «أصبح المريخ في متناول اليد بعدما صارت أوروبا حلماً»، يقول أحد
2013-09-04

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
خضير الحميري ــ العراق

يتناقل الشباب العراقيون على «فيسبوك» موقع «إلى المريخ بلا عودة»، ويلحقونه بتعليقاتهم المقرعة للحكومة. وتثير الدعايات عن رحلة الذهاب إلى المريخ شهية الشباب في العراق، كأرض لم تكتشف ولم يعث بها الساسة فساداً. هناك سيبحثون عن أحلامهم الموؤودة، وعن العدل المفقود، دون أن يتعرضوا لمضايقة من أحد. «أصبح المريخ في متناول اليد بعدما صارت أوروبا حلماً»، يقول أحد الشباب ساخراً، بعدما حاول الدخول إلى أوروبا ثلاث مرات بجواز مزور لكنه فشل.
وقد تزامن إعلان شابين عراقيين ذهابهما في رحلة «إلى المريخ بلا عودة» مع اليوم العالمي للشباب الذي يصادف 12 آب/أغسطس من كل عام، والذي تأخّر خطاب رئيس مجلس الوزراء العراقي نوري المالكي للاحتفال به خمسة أيام. ووفق إحصائية للأمم المتحدة، فإن شهر تموز / يوليو في العراق شهد معدلاً يوميا للقتل بلغ 25 شخصاً (و50 جريحاً). ويبدو العراق كمركز للعنف في الشرق الأوسط ، بل في العالم أجمع، لاسيما بعدما أطلقت الشرطة الدولية «الانتربول» تحذيراً أمنياً شاملاً دعت فيه جميع الدول الى أقصى درجات الحذر بعد هروب 1000 سجين من سجن أبو غريب في العراق، يشتبه بأنهم من الجيل الأول والثاني للقاعدة.

أزمات متلاحقة

يشكل الشباب نسبة 40 في المئة من سكان العراق، وهم يعيشون عقداً مركّبة، بدءاً من انغلاق المجتمع العراقي، وميله إلى كفة الأسلَمة بمقابل سحب بساط الحياة المدنية منه، وليس انتهاء بملف السكن والبطالة.
وبسبب سطوة فكرة الدولة الريعية وتقاليدها الراسخة، حيث مكنتها دخولها العالية من توظيف كل ابناء المجتمع في السابق، يبحث الشباب في العراق عن وظيفة ضمن دوائرها ومؤسساتها، التي تؤمِّن مرتباً شهرياً ثابتاً، وامتيازات أُخرى كقرض الاسكان وقروض السيارات والاشتراك بالجمعيات التي تبيع الأغراض المنزلية بالتقسيط وبكفالة راتب موظف الدولة، بالاضافة الى تقاعد نهاية الخدمة. ولكن ما هي نسبة البطالة فعلاً؟ تقول وزارة التخطيط إنها تبلغ 11 في المئة، بينما تؤكد لجنة العمل والشؤون الاجتماعية النيابية أن نسبتها بلغت 20 في المئة. وعلاوة على التقاليد التي انشأها الريع معززاً التوظيف الحكومي، فقد أدت الليبرالية الاقتصادية المعتمدة الى إلغاء حماية الدولة للتوظيف في القطاع الخاص وصار بإمكان أي ربّ عمل تسريح العامل من دون أن يواجه مساءلة. ويضاف على هذه وتلك أن التراجع الأمني المتزايد يفسح المجال أمام إغلاق الأعمال الخاصة، خاصة الصغيرة منها، الأمر الذي يجعل العمل خارج مؤسسات الحكومة مجازفة بالرزق المعيشي للشباب وعائلاتهم.
وقد أدت أزمات مثل السكن إلى تفاقم مشاكل عدّة، منها الطلاق (عام 2011 شهد 61466حالة طلاق)، بسبب سكن الزوجين الشابين مع الأهل، لعدم استطاعتهما استئجار منزل خاص بهما، ناهيك عن شرائه. وتفاقم مستوى ترك الشباب للدراسة في وقت مبكر بسبب الضائقة المادية للوالدين (6 ملايين أُمي في العراق اليوم). لكن وزارة التخطيط تشير في الإحصائية التي أجرتها ليوم الشباب العالمي، إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع الشباب في عمر (10-30) سنة في العراق راضون عن أنفسهم في الوقت الحاضر، ويشعر 58.7 في المئة منهم بالسعادة، وإن كانت تختلف هذه النسبة باختلاف العمر والجنس، بحسب قولها!

المالكي.. راكض متأخر

قدّم المالكي كلمة حماسية للاحتفال بيوم الشباب العالمي (ولو هي تأخرت خمسة أيام عن موعدها). عرّج على التحدّيات التي تواجهها حكومته، وحذّر الشباب من أن «يكونوا صيداً سهلاً للمناكفات السياسية»، كما أن «عليهم إدراك خطورة المرحلة»، مؤكداً أن «رأسمالنا استثمار الشباب وأمامنا مهمة بناء دولة». ولم يفوّت انتهاز الفرصة لتوجيه كلمة إلى خصومه واصفاً اياهم بـ«الثلة المفسدة»، من دون أن يسميهم بالطبع.
وأشار المالكي بشكل مبهم وعمومي كعادته، إلى أن «ثقافة الشباب هي الكفيلة باستقرار العملية السياسية وأنهم سيقدمون الكثير على طريق النهوض (بالعراق)». لكنه لم يعلن عن استراتيجية لاستثمار «الثقافة» عند الشباب، ولا أين سيوظف «رأس المال» الذي تحدّث عنه، على الرغم من دعوة الأمم المتحدة لإيجاد خطة استراتيجية للشباب في العراق.

ورغم ذلك، فالهجرة ليست حلاً

وعلى الرغم من أن الأمل بتحسُّن الوضع في البلاد يبدو عصياً على التحقيق، لا سيما مع اتساع رقعة عمل إرهاب تنظيم «القاعدة»، الذي ينمو مع تنامي الخلافات السياسية بين الأحزاب والكتل المشاركة في العملية السياسية، فضلاً عن هبوط وصعود الخط البياني للأزمات الطائفية، إلا أن الشباب العراقيين ـ دعك من المزاح حول المريخ ـ لا يرون في الهجرة حلاً لأزماتهم، إذ يعبّر 16.8 في المئة منهم فحسب عن رغبته بها، بحسب وزارة التخطيط، خصوصاً بعد انتشار مساحة الاعلانات عن فتح باب الهجرة الى كندا وأوستراليا، وإنّ حوالي 33 في المئة منهم يعزون سبب رغبتهم في الهجرة الى العمل. ولا تختلف نسبة الأمم المتحدة كثيراً إذ تؤكد أن 17 في المئة من الشباب يفكّرون بالهجرة. وقد أدت الأزمات السياسية والأمنية في كل من مصر وسوريا إلى ترسخ قناعة الشباب العراقيين بأن كل البلدان معرضة للخراب كما بلادهم. كما أحبطت عزائمهم الازمة الاقتصادية في أوروبا. ولذا يحملق الشباب العراقيون في خريطة القمر والمريخ، لإيجاد فسحة للحياة بعيداً عن رائحة البارود والدم والبطالة.

مقالات من العراق

للكاتب نفسه

نساء يرتضين بدور "النسوان" في العراق

عمر الجفال 2016-09-08

احتفى إعلام أحزاب الإسلام السياسي في العراق بمراسلة رافقت العمليات العسكرية التي خاضتها القوات الأمنية وفصائل الحشد الشعبي ضدّ تنظيم "داعش" الذي سيطر على ثلث مساحة البلاد في حزيران /...