العراق: كل الاحتمالات تؤدي إلى.. الفوضى

حين يولد الإنسان بين حربين طاحنتين، ويكبر في حصار يأكل الزرع والضرع، وفجأة تنشب حرب أخرى، فلا بد أن يكون مخضباً بالألم والحزن. تتحوّل حياته إلى رحى تطحن الأزمات. هكذا أنا وجيلي، الذي يشكل نحو 40 في المئة من سكّان العراق. ولدنا ونحن مطاحن لكل الحوادث التي حصلت وتحصل في بلاد الرافدين. سيبدو الحديث من نافذة الشاهد على الأحداث الجسيمة المتوالية أكثر منطقياً من التنظير
2014-04-09

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
زينة سليم - العراق

حين يولد الإنسان بين حربين طاحنتين، ويكبر في حصار يأكل الزرع والضرع، وفجأة تنشب حرب أخرى، فلا بد أن يكون مخضباً بالألم والحزن. تتحوّل حياته إلى رحى تطحن الأزمات.
هكذا أنا وجيلي، الذي يشكل نحو 40 في المئة من سكّان العراق. ولدنا ونحن مطاحن لكل الحوادث التي حصلت وتحصل في بلاد الرافدين.
سيبدو الحديث من نافذة الشاهد على الأحداث الجسيمة المتوالية أكثر منطقياً من التنظير والأرقام التي نكتبها هنا وهناك. سيصبح حديث الشاهد على الخراب أكثر صدقاً، رغم ما يتخلله من العواطف الكبيرة، وسيصبح للألم الذي نعيشه كلّ يوم طعم المرارة التي تظلّ في سقف الحلق.. إنه سقف حلق الزمن.
انتمي لجيلٍ ولد في نهاية ثمانينيات القرن المنصرم. كانت الحرب تذرع أيامنا جيئة وذهاباً. وصوت قرقعة نياشين الديكتاتور تترك صدى عميقاً في نفوسنا. قرّر «القائد الضرورة» أن يخوض حرباً أخرى، ونخوض معه نحن الخذلانات والخسارات. فقدنا آباء وأعماما وإخوة، حتّى تحوّلت جدران منازلنا إلى شواهد قبور لضحايا تلك الحروب.
خرجنا في التسعينيات في رحلات العمل الشّاقة. نجّارين وبائعي سجائر وألبسة على الأرصفة. حدّادين ومساعدي سائقي باصات، وفي الوقت نفسه، طلاب للعلم.
فجأة، قررت دول غربيّة، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية، «تخليصنا» من قرقعة النياشين لتزجنا دفعة واحدة في حروب لا يُعرف فيها الخصم والحكم. صارت المقابر تتناسل على حيطاننا. والخطوط المائلة على الصور صارت تتبارز في ما بينها. وصارت مفردات «الديموقراطية» و«التوافقية» و«المحاصصة» كالجراد الهائج على شاشات فضائياتنا وصفحات جرائدنا. صار الجيل ليس شاهداً فحسب، بل قتيلاً في الكثير من المعارك العبثية التي لا نهاية لها ولا طائل منها.
توافدت الانتخابات واحدة بعد الأخرى دون أن يتغيّر الحال، ومن دون أن تقف غولة الموت عن استلاب أرواحنا، وأيضاً من دون أن تصدر عجلة الإعمار ضجيجها لتعيد ترتيب البلاد.ظلّت الأمور على ما هي عليه، حتّى سلمتنا إلى رجل يحاول أن يتصدّر الأحداث والمناصب. تحوّلت الهيئات المستقلة إلى بناية يملك مفاتحيها ومغاليقها شخص واحد. يحاول هذا الشخص استعادة التاريخ ليصبح «مختار العصر» وليتولّى أمورنا من خلال مركزة الحكم.
وقف العراق مجدّداً أمام امتحان جديد للديكتاتورية. المعطيات جميعها تشير إلى ديكتاتورية قادمة بأظافر «ديموقراطية». والسيناريوهات تشير إلى أن جيل منفيين جديد قادم، لأن «الزعيم» لن يقبل بالرأي الآخر، وهو بطبيعة الحال، يشتري كل الأصوات المناوئة له بأموال «الدولة».نهاية نيسان/أبريل الجاري، ستجرى الانتخابات البرلمانية. العراقيون جميعهم يعرفون أن لا شيء سيتغيّر، لا سيما بعد أن أصبح التيار الصدري، أقوى القوى الشيعية المناوئة لائتلاف رئيس الوزراء نوري المالكي، قليل الحيلة بعدما تنحّى زعيمه رجل الدين مقتدى الصدر عن السياسة، الأمر الذي يجعل الأقطاب غير متساوين في الحظوظ، ويجعل ائتلاف رئيس الوزراء أكثر قوّة، خاصّة أنه يروّج لنفسه من خلال وسائل إعلام الدولة التي يديرها أشخاص منحدرون من حزب المالكي نفسه.
لكن لماذا الخوف من المالكي.. أصلاً؟لأن المالكي يحتكر لنفسه، منذ أربع سنوات، مناصب رئاسة الوزراء، القيادة العامة للقوات المسلحة، ووزارات الداخلية والدفاع والامن الوطني، ولأن 23 ألف وظيفة في مؤسسات الدولة العراقية تدار بالوكالة، ولأن الهيئات المستقلّة أضحت غير مستقلّة بسبب سياسة العصا والجزرة التي يلوّح بها المالكي، ولأن الأوضاع الأمنية ازدادت تأزماً من دون وجود خطط للحدّ من التفجيرات وتغوّل الميليشيات، ولأن خصوم المالكي بات أغلبهم متهماً بقضايا «إرهاب» أو «فساد» أمام المحاكم، ولأن المالكي يلتهم الموازنة بصفقات أسلحة فاسدة يدافع عنها، هو ونواب حزبه في البرلمان، ومن على شاشات الفضائيات، ولأنه يسعى أيضاً إلى فرض «قانون الطوارئ»، ولأنه يمنع التظاهرات المناوئة لحكومته.وبالرغم من أنّ العراق أخذ يَحتلّ المراتب الأولى عالمياً في ملفات الفساد والانفلات الأمني والفقر والبطالة والفشل الإداري، إلا أنّ الكتل السياسيةَ عازفة عن الانخراط في حوار وطنيّ جاد يُفضي إلى خَلْق مُصالحة وطنية تُفضي بدورها إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تَضعُ نُصْب عينها مصالح العراق العليا، وليس المصالح الفئوية والإثنية والطائفية والمناطقية، وتُشاركُ في صناعة القرارات المصيرية.
أنتج كل ذلك قدراً كبيراً من التبلّد السياسي إزاء الأهوال والفظاعات الناتجة يومياً من كرنفالات الموت الوحشي المجانيّ الذي تُخلّفه التفجيرات في المدن، ولا سيما الفقيرة منها. والتبلد السياسي لا يرى في هذه التفجيراتِ صورةً للعجز بشقيهِ البرلمانيّ والحكومي، بالقدْر الذي يرى فيه فرصة مؤاتية للاستثمار الانتخابي من خلال الاتهامات المقابلة.
فالكُتل الانتخابية تتهم بعضَها بعضا بتقديمِ الدّعم الماليّ للتنظيمات التي تقف خلف تلك التفجيرات، حتى وصل الأمر إلى اتهامِ ثلاثةَ عشر نائباً في البرلمان بالإرهاب والمطالبة برفعِ الحصانة البرلمانية عنهم من أجل تقديمهم للمحاكمة (إلا انّ الخلافات السياسية وتغطية الكتل على أعضائها سوفت هذه المطالبات)، ناهيك عن الاتهامات الصريحة لمسؤولين حكوميين كبار بالوقوف خلف التفجيرات، بدأت بنائب رئيس الجمهورية الذي فرّ إلى تركيا ولم تنتهِ بوزير المالية، بل إنّ هذه الاتهامات انتقلت إلى البيتِ الشيعي، حيث يتهم رئيس مجلس الوزراء نوري المالكي النائبَ عن التيار الصدري حاكم الزاملي بتوزيعِ خمسة آلاف هوية أمنية تُسهّل عمل المجاميع الإرهابية، ويَردّ الزاملي التهمة الى المالكي متهماً إياهُ بتوزيعِ هويات وسيارات أمنية ساعدت على تلك التفجيرات... جميل!
والعمل؟ إذا ما عاد المالكي إلى رئاسة مجلس الوزراء مجدّداً بولاية ثالثة تمتد لأربع سنوات مقبلة، وهو أكثر الاحتمالات وروداً، فإن الصدر، الذي يشكّل أكثر الأشخاص تأثيراً في الشارع العراقي، باستطاعته تنظيم تظاهرات تطيح المالكي، أو جعله يتنحّى من منصبه. وسيكون العراق بهذا على مفترق طرقٍ جديد، وفي فوضى جديدة. إلا أن الممارسة الديموقراطية التي بحث عنها العراق طوال عقد من الزمن سيكون لها فعلها هذه المرّة عبر حراك الشارع... ربما.
 

مقالات من العراق

للكاتب نفسه

نساء يرتضين بدور "النسوان" في العراق

عمر الجفال 2016-09-08

احتفى إعلام أحزاب الإسلام السياسي في العراق بمراسلة رافقت العمليات العسكرية التي خاضتها القوات الأمنية وفصائل الحشد الشعبي ضدّ تنظيم "داعش" الذي سيطر على ثلث مساحة البلاد في حزيران /...