حركة مقاطعة إسرائيل: خارطة لنقاط القوّة

يحتدم النقاش حول حركة مقاطعة إسرائيل BDS في فلسطين وفي الوطن العربي، وهذا طبيعي في ظلِّ الظروف الكارثية لهذه الاماكن وما أنتجته من فقرٍ مدقع في حياتنا السياسية. وبكل الاحوال، فحركة المقاطعة لم تُبنَ خارج هذا الواقع ولكنّها لم تخضع له كلياً..
2018-11-06

مجد كيّال

كاتب فلسطيني من حيفا


شارك
معتوق أبو راوي - ليبيا

تُحقق حركة مقاطعة إسرائيل إنجازات هامّة في ممارسة الضغط على النظام الصهيوني. والضغط - وهذا صحيح لجميع أشكال المقاومة - هو فعلٌ سياسي أولاً وأخيراً، فعلٌ يدمج بين المبادئ والقيم والطموحات السياسية من جهة، وبين الاستراتيجية والتنظيم والعمل من جهةٍ أخرى. وبموازاة ما تُوقعه هذه المقاومة من خسارة بالاستعمار، فهي تؤثّر أيضاً على الجمهور الذي تمثّله وتناضل معه ولأجله، وهو تأثير على المستوى الاجتماعي وعلى مستوى التربية السياسية.

لذا فمن الملح فهم النموذج الذي قدّمته حركة المقاطعة، بالتركيز على نقاط قوته وطريقة عمله التي أتاحت له أن يحقق إنجازات سياسية. الفائدة الأولى من ذلك هي فهم شكل المقاومة هذا بعمق، فهم ظروف نشأته وأثره، وهذا أساسي من أجل تطويره. ثانياً، فإن فهم مفاصل هذا النموذج من شأنه أن يوفّر صندوق أدوات لتطوير أشكال أخرى من المقاومة حيثما وُجدت ملائِمة. أي أن نستفيد من هذه التجربة في كل محاولةٍ لبناء حركة تقاوم النظام، حتّى وإن كانت محلية أو موضعية أو آنية.

على أي ركام تأسست الحركة؟

تأسست حركة المقاطعة في مرحلة ذات ميّزات خاصّة، هي - وباقتضاب شديد في النطاقين الفلسطيني العالمي - التمزّق السياسي ما بعد الانتفاضة الثانية، والتناقض العميق بين التضحيات الأسطورية التي قدمها الشعب الفلسطيني وبين ما آلت إليه "السلطة الفلسطينية" من مسارٍ يُقِيم "إدارة ذاتية" موالية لمصالح إسرائيل الأمنية. أدّى هذا التناقض، وبأشكال مختلفة، إلى تمترسات سياسية انعدم فيها الحوار الوطني الفلسطيني (بمعناه الجوهري، وليس بمعنى الاجتماعات الرسمية). عُزِلت حماس جغرافياً وبالقوة، اعتزل اليسار الفلسطيني الحياة السياسية، وانعزلت فتح متمترسة بالحُكْم والهيمنة العنيفة. أدّى هذا الواقع إلى شَلل في البوصلة السياسية، خاصةً أنه أتى عقب تصفية قيادات تاريخية وثق الشعب الفلسطيني بقراراتها واعتبرها مرجعية. وفي هذا الواقع، تفوّق الانحياز الفصائلي - بكلّ ما تعني الكلمة من تزمّت وولاء أعمى وانعدام للجدل السياسي الموضوعي - على كل المركبات الأخرى للحياة السياسية.

في النطاق العالمي، فمعلوم أن بداية القرن الواحد والعشرين حملت معها عالماً جديداً. تفشّت عوامل وباتت تهيمن اليوم، منها ما وصلت إليه المنطقة من جنون كل القوى المتصارعة، ومنها ما هو أعمق اجتماعياً: من تراجعٍ في اندماج الناس في الانتماءات السياسية، وتطوّر التكنولوجيا (ووسائل الاتصال والإعلام خاصةً) بشكلٍ يُقوّي التعبير الفردي على حساب التعبير الجماعي، أي تَعزّزت النزعات الذاتية في نقاش القضايا، وانعدمت الحدود بين الشأنين الخاص والعام (هل تمعّنتم يوماً في الاختلاط المرعب في فيسبوك لصور أولادنا ولحظاتنا الشخصية مع أشنع أخبار العالم وأعنفها؟). تراجعت قدرة الناس على تحويل مواقفهم الفردية إلى رأي عام له وزن سياسي مؤثّر، حتّى لو كانت هذه المواقف تعبّر عن الأغلبية. وجاء الانفتاح السريع بين شعوب العالم انفتاحًا غير عادلٍ، إذ لم يحمل أي تبادلٍ متكافئٍ بين الثقافات، بل شوّه المجتمعات وأضعفها بمنطق الاستهلاك، ليُكرّس بذلك هيمنة الدول القويّة. هكذا، تعمّق الانفصال بين خطابات واهتمامات سياسية متأثّرة بهيمنة ثقافيّة "غربيّة" من جهة، وبين الواقع المادي والاجتماعي المحلي للشعوب من جهةٍ أخرى. فخضوع الدول للضغوطات العسكرية والمالية، وخضوع المجتمعات المدنيّة لمنظومات التمويل التي تفرض خطابها هي وأجنداتها، إضافةً إلى مجرّد الإعجاب البسيط بالأقوى.. كلّها وغيرها أدّت إلى تبنّي لغة وخطابات سياسية لا تنسجم مع واقع الشعوب وظروفها وثقافتها. وباتت منظومة حقوق الإنسان الكونيّة - التي تطوّرت في سياق حروب (ونضالات) غربية تعبِّر عن موازين قوى ليس لشعوبنا فيها حضور - باتت هي وسيلة التعبير الأساسية عن الرؤى السياسية، وليس ما يتطوّر عن توجهات فكرية وثقافية تبني تصوّراتها للعالم.

مقالات ذات صلة

في النطاقين الفلسطيني والعالمي، أدّت هذه الظروف إلى سياسة دون عامودٍ فقري من الموضوعية، أو بكلمات أخرى: انعدام تام للمرجعيّات أياً كان نوعها. قد تكون المرجعية قيادة أبوية لحركة التحرر، وقد تكون مرجعية مبادئ أساسية مكتوبة، وقد تكون مرجعية قانونية.. المهم أنها جميعها مفقودة، وأن المواقف السياسية الفردية والفئوية باتت تتلوّى بشكلٍ هلامي في الفضاء العام.

كيف تَعامل مؤسسو الحركة مع هذه الحالة؟

لم تُبنَ حركة المقاطعة خارج هذا الواقع، ولكنّها لم تخضع له كلياً. الأدق أنها لائمت بين استراتيجيتها وواقع الفترة التي نعيشها. رأت الحركة في العولمة، رغم كل ما تتضمّنه من هيمنة، نافذة لاستعادة ميزة النضال الأممي (الذي أخذ في السابق أشكالاً مختلفة، من بينها التعاون المسلّح). كما أنّها لم تبنِ تنظيماً سياسياً يطلب انتساباً وولاءً حديدياً يتنافى مع الفردانية ويُهمِّش الاهتمامات والرغبات الشخصية. ولم تُهمل منظومة حقوق الإنسان الكونيّة ولم تتناكف معها. وفي واقع التمزق السياسي الفلسطيني الداخلي الحاد، وحتى تحافظ على مسافة متساوية بين جميع الأطراف المتخندقة، إنبنت الحركة أيضاً على عزلة معينة عن باقي القوى السياسية، وتمترست هي الأخرى في ذاتها.

لكنّها، ومن قلب هذا، حاولت أن تُقدِّم نموذجاً يستعيد ميزات أساسية وحيوية للعمل النضالي. فالتكامل الأممي في النضال لم يخلق "تضامناً" باتجاه واحدٍ لأنّه لم يتجاهل الاهتمامات والقضايا المحلية في كل بلدٍ تنشط فيه الحركة، ولم يترفّع عن الظروف الاجتماعية والسياسية لكل بلد، وعن السقف المتاح والمتعارف عليه بشأن العلاقة مع إسرائيل في كل بلد. برزت شخصيات ومؤسسات اجتماعية في حملة المقاطعة في أوروبا، كما في الولايات المتحدة تحديداً، ونشأ انسجام بين الحركة وحركات أخرى مثل نقابات عمّالية وحركات طلّابية ونضالات عرقية وجندرية وصلت ذروتها مع صدور البرنامج السياسي لحركة "Black Lives Matter" الذي فيه تبنَّى مقاطعة إسرائيل. التقاء الحركة مع النضالات الاجتماعيّة والمحلية حول العالم أغناها إلى حدٍ بعيد. وزاد م ذلك من قدرتها على أن تجد مجالات مقاومة مشتركة بين فلسطين ودول العالم، كمقاومة الشركات الأمنية مثلاً (بريطانيا)، واستخدام وسائل القمع الإسرائيليّة لقمع الشعوب الأخرى (البرازيل مثلاً).

في النطاقين الفلسطيني والعالمي، أدّت مجموعة الظروف الحالية إلى سياسة دون عامودٍ فقري من الموضوعية: انعدام تام للمرجعيّات أياً كان نوعها. قد تكون مرجعية قيادة أبوية لحركة التحرر، وقد تكون مرجعية مبادئ أساسية مكتوبة، وقد تكون مرجعية قانونية.. المهم أنها جميعها مفقودة، وأن المواقف السياسية الفردية والفئوية باتت تتلوّى بشكلٍ هلامي في الفضاء العام.

استطاعت الحركة أيضاً أن تشكّل تنظيماً سياسياً يتّسم بقدرٍ كبير من اللامركزية. تمتّعت الفروع في الدول، في المدن، أو في الجامعات باستقلاليّة معينة في تحديد استراتيجيّتها وأولويّاتها وأساليب عملها واهتماماتها. وأتاح المبنى التنظيمي والعمل بأسلوب الحملات (campaigns) إمكانيّة لعدد كبيرٍ من الناس، التي تقبل مبادئ ومعايير المقاطعة، أن تنتمي للحركة وتدعمها دون أن يتطلّب ذلك مجهوداً وتفرغاً، ودون أن تفرض على الناس صبغة سياسية موحّدة تبدد اختلافاتهم. وسمح شكل الحركة للناس بأن ينسجم نشاطها في أطرهم الاجتماعيّة التي يمارسون فيها حياتهم، وليس ضمن إطار سياسي يتفوّق على دوائرهم الحياتية، فأتاحت مثلاً للأكاديميين أن يعملوا ضمن أطرهم، وللنقابيين، وللفنانين.. إلخ.

وتجدر هنا الإشارة إلى تفصيلين: الأوّل أنّ هذا الشكل التنظيمي قلّص إلى الحد الأدنى وجود الأطماع والتوجهات الانتهازية، فلم تتحول الحركة إلى دائرة توظيف ولا الى مضمار للوصولية. والثاني أن هذا الانفتاح على جماعات سياسية واجتماعية أخرى حمل معه تعاوناً هاماً مع المنظمات اليهودية المناهضة للاستعمار، وهو أحد العوامل الأكثر جوهرية على المستويين المبدئي والاستراتيجي، لما خلقه في العالم من جدلٍ حول علاقة اليهوديّة بالصهيونيّة.

أما بخصوص خطاب ومنظومة حقوق الإنسان الكونية، فيجدر الانتباه إلى أن الحركة، وعلى الرغم من تبنّيها للغة وقيم هذه المنظومة، إلا أنها حافظت على بُعدها عن مؤسسات هذه المنظومة الخاضعة لموازين الحكومات. أي أنّ هذا الخطاب لم يتحول ارتهاناً للمستوى الدبلوماسي ولا لعمل مجموعات الضغط داخل الهيئات الدوليّة المحكومة بالهيمنة وانعدام العدالة. كانت الحركة حذرة في علاقتها مع هذه المؤسسات، بينما إنصب جل إهتمامها على بناء العلاقات مع فئات وتيّارات شعبية نضالية لا حكومية. والأهم من ذلك، أن تبنّيها اللغة والمفاهيم الحقوقية لم يتناقض مع جميع المبادئ والقيم الوطنية الفلسطينية العادلة: من عودة اللاجئين إلى انهاء النظام العنصري في فلسطين (وهو ما لا يُمكن تفسيره إلا بأنه يتبنى وقف جميع الامتيازات العرقيّة لليهود في فلسطين).

التقاء حركة مقاطعة إسرائيل مع النضالات الاجتماعية والمحلية حول العالم أغناها إلى حدٍ بعيد. وزاد ذلك من قدرتها على إيجاد مجالات مقاومة مشتركة بين فلسطين ودول العالم. ونشأ انسجام بينها وحركات أخرى، مثل نقابات عمالية وحركات طلّبية ونضالات عِرقية وجندرية وصلت ذروتها مع صدور البرنامج السياسي لحركة "Black Lives Matter" الذي تبنى مقاطعة إسرائيل.

ونهايةً، على مستوى العُزلة عن الفصائل السياسية الفلسطينية، فإن ذلك لم يعنِ بأي شكلٍ من الأشكال أن الحركة فصلت نفسها أو تعالت عن شرعية الفصائل والمركّبات السياسية الفلسطينية.. بل انطلقت من نداء المقاطعة واعتمدت عليه، هو نداء جامع وَقّعت عليه جميع الفصائل والمؤسسات الوطنية الفلسطينية.

إعادة بناء المرجعيّة

لم يكن من الممكن لحركة المقاطعة أن تتأسس في ظروف ما بعد الانتفاضة الثانية من دون صياغة مرجعية تضبط عملها. كلّما قَلّت مركزية "الهيئات" التي تقود العمل وكلّما زاد البناء الأفقي للتنظيم، قلّت حرية المركز في تشكيل القرار السياسي. وهكذا بقيت هناك قدرات متفرقة جغرافياً في وضع خطّة العمل. وتجتمع هذه الفروع بفترات متباعدة لتتخذ قرارات استراتيجية ولتقييم عملها. إنما ليس من شأن أي قيادة في هذه الحركة التنازل عن أي من بنود المبادئ والأهداف التي تحملها، كما لا تستطيع تغيير معاييرها دون العودة إلى المركّبات السياسية التي اشتركت في صياغتها، ودون أن تتشكل ظروف جديدة تبرر هذا التغيير. هذه المرجعية المكتوبة، التي انطلقت من نداء المقاطعة وطوّرت المعايير المحلية، تحوَّلت وسط ظرف اجتماعي وسياسي يعج بمواقف بخارية - لا تستند إلى أي مرجعيات سياسية أو فكرية أو تنظيمية صلبة - تحوّلت إلى محل انتقاد واستهجان بدلاً من أن تحظى بتقدير سياسي.

ينطوي نداء المقاطعة، بأهدافه ورؤيته والمعايير التي حُددت على إثره، على أسس سياسية ديمقراطية من الواجب إبرازها وتقدير أهميتها السياسية، وهي تتطلب اعتناءً لتجذيرها حيثما أمكن في أشكال المقاومة الفلسطينية: أولاً وقبل كل شيء، أن الحركة تعمل في مجال السياسة وليس في مجال الحُكْم الأخلاقي. تُعالج الحركة فعاليات اجتماعية وسياسية ولا تعالج الشخوص، وليس من شغلها أن تعلّق وتطلق الأحكام لا على صفاتهم الشخصية ولا حتى على أفكارهم. ينسحب هذا أيضاً على من يُبرر كسره لمقاطعة إسرائيل باعتبار صفات ذاتية وغير موضوعية، مثلًا، أن يكسر محاضر المقاطعة ويشارك في مؤتمرٍ أكاديمي إسرائيلي مبرراً ذلك بأن محاضرته تحمل مواقف مناهضةً للاحتلال، أو يشارك سينمائي بمهرجان إسرائيلي متذرّعاً بأنّ تاريخه الشخصي حافل بالتضامن مع الفلسطينيين. واجب حركة المقاطعة التصدي لنشاط يقوم على العلاقة مع إسرائيل، وليس من واجبها أن تكون شرطة أخلاق وأفكار لمضامين النشاط أو هويّة الأفراد - لا تَصم الحركة شخصاً بسبب ميزاته الشخصية (من صفاتٍ أو تاريخٍ أو أقوال)، ولا تشفع لشخصٍ يتعامل مع إسرائيل بسبب تاريخ أو مضامين يخصانه.

الانفتاح على جماعات سياسية واجتماعية أخرى حمل معه تعاوناً هاماً مع المنظمات اليهودية المناهضة للاستعمار، وهو أحد العوامل الأكثر جوهرية على المستويين المبدئي والاستراتيجي، لما خلقه في العالم من جدلٍ حول علاقة اليهوديّة بالصهيونيّة.

ثانياً، تعمل الحركة في ظرفٍ تتلاشى فيه الحدود بين الخاص والعام، بين حياة الأفراد الشخصيّة وبين الحيز العام والشخصيات الفاعلة فيه. ويُمكن أن نرى أن الهجوم على الحركة كثيراً ما يدمج بين الحيزين، ويساوي بين زيارة إنسان لعائلته في الأرض المحتلّة مثلًا، مع زيارة فنان أو شخصية عامة لإسرائيل. وتُستغل هذه البلبلة لاتهام الحركة بازدواجية المعايير، إذ أنّها بطبيعة الحالة لا تُلاحق الحالات الشخصيّة والخاصّة (بمعزل عن رأينا بها)، بل تعمل في ما يُمارس في الحيّز العام من علاقات تجارية وأكاديمية وحكومية، وفي مجالات الصحافة والثقافة والفنون، وهذه شؤون عامة سياسية بحت. ينبع هذا الخلط من التعامل بقضية المقاطعة والتطبيع كشؤون "أخلاقية" لا سياسية، وهو خلط يطلب من الحركة أن تشغِّل قّتها السياسية في الاهتمام بالحياة الخاصة للناس، بينما واجب الحركة ألا تستخدم الضغط الجماهيري إلا في الحقل العام.

الأمر الأخير هو حق الحركة السياسية وواجبها في أن تتّبع استراتيجيّة عمل وتُرتِّب أولويات المعارك التي تخوضها. حركة المقاطعة - في كلِّ موقعٍ تناضل فيه - تختار حملاتها وأولويّاتها، المجال الذي تُركز عملها فيه أو حتى الشركة التي ستوجِّه حملتها ضدها. وهذه، مرة أخرى، ميزة أساسية في العمل السياسي، وهو لا يقبل الطهرانية النزقة والسعي المنافق للفضيلة الشاملة. واجب الحركة السياسية أن تحدد أهدافها ومجالها وأولوياتها بموجب ظروف الواقع الذي تعيشه، وأن تطرح على أنفسها أسئلة: 1) ما هو السقف السياسي لمناهضة إسرائيل في خصوصية المكان الذي نعمل فيه؟ وكيف يُمكننا أن نتقدم فيه خطوةً ولو واحدةً للأمام؟ وفي بعض المواضع قد يكون الجواب الشرعي هو منع هبوط هذا السقف وشد فرامل الحالة السياسية المتدهورة. 2) أين توجد الإمكانية لإحداث تغيير سياسي فعلي؟ في أي موقع يكون الضغط فعّالاً ويكون الإنجاز ممكناً ويُمكن تحقيق التقدم؟ أين لا يتحول العمل النضالي إلى مواقف تُطلق دون التأثير بالواقع؟ 3) ما هي القضايا والمجالات التي يمكن من خلالها بناء علاقات نضالية مع قطاعات اجتماعية وسياسية أخرى أو مع لجان أخرى تناضل لمقاطعة إسرائيل في أماكن مختلفة في العالم، وما هي قيمة بناء هذه العلاقة؟

إلى أين نذهب بهذه النقاط؟

هذه المقوِّمات السياسية في حركة المقاطعة هي نقاط القوة التي سمحت لها بأن تعمل حتى الآن وتخلق التفافاً جماهيرياً في العالم كله، وهي التي صعّبت على إسرائيل النجاح في محاولات ضربها. لكن ضعف هذه المقومات في الحياة السياسية العامة خلق الحاجة إلى تفسيرها وإظهارها. النقاش حول حركة المقاطعة يحتدم إلى حدٍ بعيد في فلسطين وفي الوطن العربي، وهذا طبيعي في ظل الظروف التي تناولناها هنا، وما أنتجته من فقرٍ مدقعٍ في حياتنا السياسية. وأكثر ما يميّز الهجوم على حركة المقاطعة هو أنه يقوم على قوس من الادعاءات غير المترابطة ولا المتماسكة التي تتبدّل بموجب تفاصيل النقاش والحالة العينية والظروف الذاتيّة والمصالح الآنية...

ولأنّ الهدف ليس "الفوز" في مصارعة "مع" أو "ضد" الحركة، إنما إظهار الأسس السياسية الصلبة لهذا الشكل من أشكال المقاومة، والمضي فيه قدماً، فمن الضروريّ أن نشدد على هذه الأسس الديمقراطية والنضالية، نفسّر أهميّتها وندعو إليها وننطلق منها. قد تكون حركة المقاطعة تجاهلت احترام هذه المبادئ في مواضع معينة، أهملتها في بعض الأماكن، وهذا يفرض نفسه على النقاش، كنقطة ضرورية. لكن الخطوة الأهم، فهي أن نأخذ من نقاط القّة هذه ما يُمْكن تعميمه في تجارب نضالية أخرى مهما كانت ضخمةً، أو بالعكس، موضعيّة. فإن الحالة السياسية الكارثية التي نعيشها تتطلّب التفكير في أعمق الأسس لبناء هذا الطريق الطويل.

مقالات من فلسطين

معضلة الضمان الاجتماعي الفلسطيني

عدم الثقة بمؤسسة الضمان الاجتماعي، وعدم القناعة بالحكومة باعتبارها ضامناً، وغياب اللوائح التفسيرية والأنظمة الأخرى التي كان يجب أن تتوفّر قبل البدء بتطبيق القانون، كلّها عوامل أدّت إلى توسيع الفجوة...

فلسطين: حين تقتل "الثورة" الوطن

الجميع شريك في السُلطة الذاتيّة: الائتلاف المكوّن من "فتح" و"حماس"، كُل في بقعته الجغرافيّة وطريقة حكمه، فصائل المُعارضة اليساريّة بالأداء الذي تقّدمه، النخب الفكرية والسياسية، رؤوس الأموال والبنوك، وصولاً إلى...

للكاتب نفسه