كيف نكون أعداء أنفسنا؟ الحركة الطلابية في تونس نموذجاً

على الرغم من عراقة الحركة الطلابية في تونس ومن أدوار سياسية لعبتها في محطات مختلفة، إلا أنها تعيش اليوم انقسامات حادة وعنفية وعبثية، معطّلة لمكانتها ومهددة لذاكرتها وشالّة للمشاركة الطلابية.

2017-07-05

عبير قاسمي

كاتبة من تونس


شارك
مظاهرات طلابية في تونس

 

التعددّية حياة. هذا ما يُمكن إستنتاجه بنظرةٍ خاطفةٍ على واقع الجامعة التونسيّة ، فقد يقول البعض أنّ التعدد النقابي  بشكله الحالي أمرٌ صحي يصبّ في مصلحة الطلبة قبل كلّ شيء. فإلى جانب إتسّاعِ مساحة الإختلاف وتلاشي التماهي وثقافة الإنتماء الأعمى التي كانت منتشرة أيّام النظام السابق ، فإنّ تنافس نقابات عديدة على الدفاع عن حقوق الطّلبة وخدمتهم عن طوّعاً، وتطوير الوعي العـام في الجامعات، هو ما يجعل التعددّية النقابية أمراً إيجابياً. وهذه نظرة خاطفة شكلية لا يمكنها إستيعاب واقع شائك. بل هي إمتداد لمثاليّة النـُظّم التي تنادي بإسقاط تعدديّة غير مدروسة على المشهد الطلابي المتوتر، دون إعتبار لطبيعة تاريخه و خصوصياته.الحـركة الطلابية لا يمكن أن تختزل في تحرّكاتٍ إحتجاجيّة وإجتماعات عامة، ولا يمكن أيضاً أن تُنّمـط بأن تصبح "ممارسة السياسة داخل الجامعة".لعبت الحركة الطلابية في تونس عبر مسيرتها النضالية دورها في مقاومة الإستبداد والإلتزام بقضايا شعبـها علاوة على الدفاع عن حقوق الطلبة المادّية والمعنويّة. لكنّ هذا لم يمنعها من التصّادم والإنقسام وتوليد مناخ متوتّـر هو ربما السبب الرئيسي في عزوف الطّلبة عن النشاط النقابّي.

وظهرت خلال السنوات التي تلتْ الثورة في 2011 منظمات نقابية جديدة كمنظمة "صوت الطالب التونسي" و"شباب النهضة" و"طلبةِ النداء" كإمتدادٍ لنشاط "منظمة طلبة التجمع الدستوري الديمقراطي". ومن بينها، فإن المنظمتيّن الأشدّ تصارعاً وحضوراً على الساحةِ هما "الإتحاد العام لطلبة تونس" و"الإتحاد العام التونسي للطلبة"، المنظمتان الأكثر شعبيّة، صاحبتا تاريـخ طويل من المعارك، كصِراع وجودٍ بين ضدين.. وهو ما يجعـل الحديث عن منافعِ التعددّية ضرباً من السذاجة.

الإتحاد العام لطلبة تُونس: المشروعُ التقدمي

تأسس الاتحاد العام لطلبة تونس بعد مؤتمر عقد في باريس سنة ،1953 وتقرّرت شعاراته المركزية ("من أجل جامعة شعبية وتعليم ديمقراطي وثقافة وطنية" واعتبار الحركة الطلابية "جزءاً لا يتجزأ من الحركة الشعبية" و"القضية الفلسطينية القضية المركزية لحركة التحرر الوطني العربية".) على مدى سنّين، أخذ النضال ضمن صفوفه بعداً سياسياً عميقاً، وحوّل مطالب الحرية والكرامة والديمقراطية إلى شعارات مركزية.. محطّاتٌ عديد يُذكر منها الإضراب العام في كانون الثاني / يناير ،1978 وانتفاضة الخبز في كانون الثاني /يناير 1983، و المحطّة الأبرز في 2008 مع انتفاضة الحوض المنجمي.

الإنقـسام الحاد الذي تعيشه الحركة الطلابية التونسية بعد الثورة وصل إلى حدّ الخوف من تنظيم نشاطات خشية التصادم والعنف بين أبناء النقابة الواحدة، وبين النقاباتِ المختلفة. صراعٌ لا منتصر فعلي فيه، لكنّ المتضررّ الأبرز هو الطّالب. الفراغ يهددّ الذاكرة الطلابية، والخطر أن تصبح هذه السنوات فجوة مخجلة في تاريخ الحركة الطُلاّبية تنتج جوّاً مشحوناً قاتماً سماتُه الرفض والكراهية

المنظّمة بدأت من الوسط التلميذي وأنجبت مناضلين وقيادات وطنيّة ، لكنّ هذا لا يمنع أنّ ابناءها - ولو سهوا- "أجرموا" في حقّـها. الإتحاد العام لطلبة تونس 2017 لا يُشبه الإتحاد التاريخيّ في شيء، بليغلب عليه التصّارعِ الحزبّيّ بين فصائل ذات إنتماء واحد، أفضى االخلاف في صفوفهم إلى إنقسام تنظيمي.

للإنقسامات تلك تاريخ طويل تُرجم من خلال المؤتمرات المتعددة التي تُفرز قياداتٍ جديدة، أحدثها، حين وصلت موجات العنف بين شق "مؤتمر رد الإعتبار" و مؤتمر "مؤتمر البناء" في 27 كانون الثاني /يناير 2014 الى اقدام  "النقابيون الراديكاليون" على طعن عضو في الاتحاد العام لطلبة تونس بسكّين.

وأما السنة الحالية فأفضت إلى مزيد من الإنقسامات، وهذه المرّة بين أطياف الجبهة الشعبية: خلاف بين إتحاد الشباب الشيوعي التونسي وإتحاد شباب "حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد" (وطد) خلال المؤتمر العام الطلابي، يُـضاف إلى صراع الفريقين مع "النقابيين الراديكاليين"، تمزق جعل الإتحاد العام لطلبة تونس مثل أصل تجاري كلٌ يدّعـي أمانته العامة وسط ذهول قُدماء الإتحّاد والطلبة المـستقليّن الذين حاولوا أن يكونوا جُزءاً من الحلّ، فوُلـد وسط فوضى الولاءاتِ "الـتوّجـه الطلّابي القاعدي" كمبادرة تجمعُ الطلبـة المستقلّين الذين لا تعنيهـمْ صراعات المناصب.

الاتحاد العام التونسي للطلبة: المشروعُ الإسلاميّ

في أيار/ مايو 1988، تأسس "الاتحاد العام التونسي للطلبة"، الذراع الطلابية لحركة النهضة. عمدت مجموعة من الطلاب الإسلاميين الى اطلاق مشروع من "أجل طالب حر" لحل أزمة نقابات الطلبة. أقيم مؤتمرهم في كلية العلوم بتونس ليصبح مؤتمر تأسيسي لمنظمة طلابية جديدة تحت قيادة الطلبة الإسلاميين. وقد بادر الاتحاد العام التونسي للطلبة الى إطلاق المشروع النقابي الديمقراطي الذي يهدف إلى إخراج الجامعة من الاستقطاب الثنائي وإنهاء ممارسات العنف داخل الجامعة التونسية وتكريس ميثاق مشترك للعمل النقابي الطلابي. لكـنّ نشاط هذه المنظمة محدود، كونها الآن في طور إعادة البناء، خصـوصاً أن المنظـمّة تواجه إتهامات بضلوعها في إستقطاب الطّلبـة إلى تنظيمات متطرّفة.

الرحلة ما بين قطيعة وصراع طويلة، تعود بداياتها إلى أربعين عاماً، حين واجه  اليسار في تلك الفـترة وِلادة الحركة الإسلامية واعتبرها كائنا هجيناً غير مرغوب فيه، و كان ذلك موقفاً جذرياً وهو مستمر ثابت إلى حدّ اللحظة. شنّ اليسار حرباً سياسية على الحركة الاسلامية باعتبارها "رأس حربة للنظام الدستوري (نسبة ل"التجمع الدستوري الديمقراطي") وأداة تُحرِّكها الإمبريالية ضد القِـوى التقدُّمية والثورية في العالم العربي". ونتيجة ذلك شهدت الجامعة التونسية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي معارك طاحنة بين الطرفين. كليّات رقادة ، صفاقس، سوسة، ڨفصة، المنار، منوبة .. تكررّ مشهد العنف الذي اصبح بعد الثورة مألوفاً لدى عمومِ الطّلبة ليزيد من عزوفهم عن النشاط الطُلاّبي ورهبتهم منه.

الإنقـسام الحاد الذي تعيشه الحركة الطلابية التونسية بعد الثورة وصل إلى حدّ خوف من تنظيم نشاطات خشية التصادم والعنف بين أبناء النقابة الواحدة، وبين النقاباتِ المختلفة. صراعٌ لا منتصر فعلي فيه، لكنّ المتضررّ الأبرز هو الطّالب، والفراغ يهددّ الذاكرة الطلابية والخطر أن تصبح هذه السنوات فجوة مخجلة في تاريخ الحركة الطُلاّبية تنتج جوّاً مشحوناً قاتماً سماتُه الرفض والكراهية.

تمّ إعدام الحركة الطلابية بشكلها الكلاسيكيّ القديم، واستبدالها بحركة معزولة عن الواقع تتخبطُ في صراعاتها الداخلّية وتدور في حلقاتٍ مفرغة. أغلب المبادرات والحلول تولد ميتّة أو تلقى رفضاً وتحجّراً عبر مواقف بالية لا تُناسب واقع الجامعة بعد سبع سنوات من إندلاع الثّورة. الحركةُ الطلابية في تونس، وعلى الرغم من أنّها حركة عريقة، إلّا أنّها لا زالت تتخبّط في قضايا الهُويّة الناتجة عن عدم التجانس بين مُكوًناتها. أزمـة تلد أخرى ولا وجود لبوادرٍ إصلاحيّة وإرادة فعليّة تُنقذها من مرمى التصادمات المُستمرّة التي سُرعان ما تتغذّى لتُصبح عنفًا يتفاقمُ مع كـلّ إختلاف.

.. ومبادرة ايجابية

وقد نظّم طلبة معهد الصحافة قُبيل إنتخابات المجالس العلمية 2017 مناظرة كلاميّة بين الأطراف المُتنافسة عبّر فيها ناطقون من كلّ من المنظمتيـن عن ماهية خلفياته وتاريخه ودوره، بحضور الطّلبة وبتنظيم ذاتّي أظهر نضجاً وقدرة على النقاش والإقناعِ و التواجه بسلاح الفكرة والحجة، وهي علامة ايجابية وسط تلك الاجواء.

مقالات من تونس

في أهمية المبادرات الأهلية، أمثلة من تونس

ضو سليم 2019-08-14

تبقى مثل هذه المشاريع رمزية ومحدودة بالطبع ولا تحل مشكلات الأزمة البيئيّة الخانقة، ولكنها خطوات إيجابية لتطوير حس المسئولية الفردية تجاه هذه المسائل، ولتحفيز روح المبادرة الجماعية إجمالاً، بدءاً من...

السلطة والثروات الطبيعية في تونس.. عن الفساد والمحسوبية

يرتبط "النمو الاقتصادي" بمداخيل الناتج من تصدير المواد الأساسية الخام مثل الفوسفات والثروة السمكية والمنتوجات الفلاحية. تقلص التصدير يعني تقلص النمو. لكن النمو المتأتي من تصدير الثروات الطبيعية لم يحقق...

تونس: اختراقات تمهد للتطبيع؟

مسألة التطبيع توضّح المسافة الكبيرة التي تفصل "روح" الثورة التونسية عن حسابات/ سياسات الحكام الجدد. اذ يبدو ان الإسلاميين و"الدساترة" لديهم قناعة راسخة بأن اغضاب إسرائيل سيجلب عليهم غضب الأوروبيين...